أخبار اقتصادية

لقاء اقتصادي لبناني – إيطالي موسّع في غرفة بيروت

عقدت الهيئات الاقتصادية برئاسة الوزير السابق محمد شقير، اليوم، وبمشاركة وزير الصناعة جو عيسى الخوري ووزير الاقتصاد عامر البساط ورئيس جمعية الصناعيين سليم الزعني رئيس إتحاد المستثمرين اللبنانيين جاك صراف، لقاءً اقتصادياً موسعاً جمع القطاع الخاص اللبناني ووفداً من كبار رجال الأعمال الإيطاليين برئاسة رئيس Confindustria Abruzzo  لورينزو داتولي.

وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون بين القطاع الخاص اللبناني والإيطالي، وخلق شراكات في مجالات متعددة، لا سيما في المجال الصناعي والاستثمار في لبنان وإيطاليا وكذلك في سوريا، فضلاً عن نقل التكنولوجيا وغير ذلك.

شقير

افتتح شقير الاجتماع فرحّب بالوفد، وقال: “لن أتحدث اليوم عن عمق ومتانة العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تربط إيطاليا بلبنان، لأن ذلك يحتاج إلى ساعات طويلة، لكنني أود أن أؤكد تقديرنا الكبير لمواقف الدولة الإيطالية الداعمة للبنان ووقوفها إلى جانبه في مختلف الظروف”.

ولفت إلى أن لبنان قد مرّ خلال السنوات الست الماضية بظروفٍ بالغة الصعوبة، إلا أننا بدأنا اليوم مسار الخروج التدريجي من الأزمة، مستندين إلى إرادة اللبنانيين وصلابة القطاع الخاص اللبناني، وإلى دعم أصدقائنا، لا سيما إيطاليا، مشيراً إلى أنه في السنوات الماضية شهد القطاع الصناعي اللبناني تطورًا ملحوظًا، سواء على صعيد الجودة، أو التوسع في الأسواق الخارجية، أو تعزيز القدرة التنافسية.

وإذ شدد على أن فرص الشراكة بين لبنان وإيطاليا كبيرة ومتنوعة، سواء من خلال مشاريع مباشرة في لبنان وإيطاليا أو عبر التعاون في سوريا، قال: “نحن وأنتم نكمل بعضنا البعض، لا سيما في ما يتعلّق بالاستثمار وإعادة الإعمار في لبنان وسوريا، ما يفتح آفاقًا واسعة للتعاون المثمر”.

صراف

من جهته، اعتبر صراف أن لبنان يستعد اليوم لإطلاق مرحلة حديثة من إعادة الإعمار، نريدها أن تكون مختلفة عمّا سبق: إعادة إعمار قائمة على الاستثمار المنتج، والشراكات الاستراتيجية، ونقل المعرفة. ومن هذا المنطلق، نرى في إيطاليا شريكًا طبيعيًا وأساسيًا، ونسعى إلى حضورها القوي على خريطة المصالح الاقتصادية اللبنانية، فيما نهدف إلى أن يثبت لبنان نفسه بوضوح على خريطة الاستثمار والاهتمام الإيطالي.

وقال: “في مجال التجارة الثنائية، يستورد لبنان في عام 2025 ما قيمته 1.150 مليار دولار من إيطاليا، وفي المقابل تبلغ صادرات لبنان إلى إيطاليا 55 مليون دولار، ما يبرز فرصة واضحة لتحسين الميزان التجاري عبر تعزيز الصادرات اللبنانية وتطوير مشاريع إنتاجية مشتركة”.

وأشار إلى أن إيطاليا تمتلك خبرات صناعية وتقنية متقدمة يحتاجها لبنان، خصوصًا في قطاعات استراتيجية: البنية التحتية وإعادة الإعمار، الطاقة والكهرباء، الهندسة الصناعية والتكنولوجيا، النقل واللوجستيات، التصنيع والقطاعات الزراعية، بما في ذلك القنّب. وتمثل هذه القطاعات الحيوية فرصًا ملموسة للاستثمار الإيطالي المنتج، بما يسمح بترجمة العلاقات التاريخية إلى أطر اقتصادية عملية وعقود شراكة.

واعتبر أن إيطاليا ليست مجرد شريك تجاري، بل هي أيضًا شريك ثقافي واجتماعي واقتصادي في المشرق والمتوسط. ويمكن للبنان أن يكون بوابة طبيعية لإيطاليا إلى أسواق سوريا والعراق ودول أخرى في المنطقة، لافتًا إلى أن اتحاد المستثمرين اللبنانيين يؤكد التزامه الكامل بالعمل كوسيط اقتصادي من خلال: توفير بيانات دقيقة وتحليلات قطاعية، ربط المجتمعات التجارية اللبنانية والإيطالية، تسهيل الإجراءات والتواصل مع السلطات العامة، ودعم المبادرات الاستثمارية المشتركة.

الزعني

وتحدث الزعني عن العلاقات بين إيطاليا ولبنان، وهي علاقات قديمة جداً، لكنها في السنوات الأربعين الأخيرة شهدت تطوراً في مجالات نقل التكنولوجيا الصناعية والآلات الصناعية، حيث يظهر بوضوح تأثر الصناعيين اللبنانيين بالتكنولوجيا الإيطالية. أما بالنسبة إلى التبادل التجاري، فلقد كانت إيطاليا على مدى سنوات الشريك التجاري الأول، على أمل أن تعود إلى هذا الموقع في ظل المنافسة التي تشهدها من دول الشرق الأقصى.

وقال: “نحن دائماً نعمل على تقوية علاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي وأميركا وباقي دول العالم، لكن تبقى الأفضلية لإيطاليا”، مشيراً إلى أن ما يمكن لبنان أن يقدمه هو خلق شراكة، خاصةً فيما يتعلق بالموارد البشرية المؤهلة التي يتمتع بها لبنان، كما لدينا العلاقات الجيدة مع شركائنا في المنطقة وحول العالم، لا سيما من خلال اتفاقيات التجارة التي تربطنا مع أهم البلدان”. وأضاف “لا شك أن هناك بعض المشاكل، لكن تبقى الميزات الإيجابية التي تتمتع بها الصناعة اللبنانية، لا سيما في قطاعات مختلفة كالصناعات الغذائية، والتكنولوجيا، والروبوتيكس، والميكاترونيكس، وكل الصناعات الأخرى التي تنتشر في 100 دولة حول العالم.

ودعا القطاع الخاص الإيطالي إلى اعتماد لبنان منصةً لنقل التكنولوجيا التي يتميز بها، خاصةً أن لدينا الكثير من الحوافز التي بإمكانها تخطي العوائق. وقال: «نحن نسعى إلى تبادل الزيارات والوفود وتغطية قطاعات أكثر تخصصاً للتركيز على ما يمكننا تعزيز التعاون من خلاله في ما بيننا”.

داتولي

أما داتولي فقال: «لسنا هنا لتقوية العلاقات بين إيطاليا ولبنان فحسب، بل لكي نبحث دور حوض البحر المتوسط، الذي يجب أن يكون له دور أساسي في الاقتصاد العالمي، حيث إننا في هذه المناسبة ننطلق من مبدأ أساسي يقوم على ضرورة أن يشكل حوض البحر المتوسط مساحة للقيادة، ولا يمكننا حصره فقط بالتاريخ، بل جعله منصة للشراكة والمسؤولية المشتركة وتحويل هذه الرؤية إلى مجتمع فاعل من خلال شركاء أقوياء وفاعلين، وأن يصبح منصة بين أوروبا وأفريقيا»، منوّهاً بدور وموقع الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار، ودور إيطاليا التي سجلت أعلى نسبة نمو في الناتج المحلي خلال العام 2024 في المنطقة، وهي تحتل المركز الرابع عالمياً في الاستيراد والتصدير بفضل التكنولوجيا الصناعية المتطورة والآلات الحديثة.

ثم تحدث عن أبروتسو كإحدى أهم المناطق الصناعية في إيطاليا، والتي تضم أكثر من 1000 شركة و8 آلاف موظف، مشدداً على أهمية موقع لبنان كجسر بين أوروبا ودول الشرق الأوسط وباقي دول العالم، منوهاً بالتعاون المشترك والحوار المنفتح والولاء بين إيطاليا ولبنان.

وقال: درسنا جيداً المشهد الصناعي اللبناني، وخاصةً في قطاعات الأدوية والأغذية والبناء، ودور لبنان المميز بين البحر المتوسط وأفريقيا»، مشدداً على التداخل والتكامل في الشق الاقتصادي، وأن الهدف ليس فقط الإنتاج المشترك، بل إنشاء مجموعة عمل مشتركة وخريطة عمل وتحقيق التعاون المشترك في حوض البحر المتوسط.

البساط

وألقى الوزير البساط كلمة أكد فيها أن لبنان وإيطاليا يشتركان في ثقافة أعمال ترتكز على المؤسسات العائلية وروح المبادرة والالتزام بالإنتاج المتخصص عالي الجودة، مشيراً إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البلدين تشكل العمود الفقري للاقتصاد وتحمل خبرات متراكمة ورؤية طويلة الأمد، ما يوفر فهمًا مشتركًا بين مجتمعَي الأعمال.

وأوضح أن القطاع الإنتاجي اللبناني أثبت قدرته على الصمود خلال السنوات الماضية عبر التركيز على الإنتاج المحلي ورفع الجودة، مضيفاً أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من زيادة الكميات إلى تحسين النوعية وتعزيز المعايير والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.

واعتبر أن التجربة الإيطالية نموذج ملهم، إذ نجحت الشركات العائلية في التوسع عالمياً مع الحفاظ على التميز والحرفية، حتى أصبح مفهوم “صنع في إيطاليا” مرجعاً عالمياً للجودة والتصميم، مشدداً على أن لبنان يسعى إلى ترسيخ صدقية “صنع في لبنان” بالروح نفسها، ضمن رؤية اقتصادية واضحة ترتكز على تعزيز الاستثمار المنتج وتوسيع التجارة ورفع تنافسية القطاع الخاص، من خلال تبسيط الإجراءات التجارية وتعزيز الرقابة على الأسواق وحماية المستهلك، ودعم تطوير الصادرات وتسهيل الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.

وإذ لفت إلى فرص واعدة لتطوير تعاون هيكلي بين البلدين عبر ربط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع المشاريع المشتركة، ودعم مبادرات التصنيع التعاوني، وتسهيل نقل المعرفة واعتماد أنظمة الجودة، أكد أن التشابه بين ثقافتي الأعمال يوفر قاعدة صلبة للانتقال إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية، لافتاً الى أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة لإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية الثنائية والبناء على ثقة وتعاون طويلين بين البلدين، داعياً إلى ترجمة هذا الأساس إلى خطوات عملية تشمل لقاءات قطاعية وبعثات تجارية وشراكات ملموسة بين القطاعين الخاصين.

وختم بالتأكيد على استعداد وزارة الاقتصاد لتوفير بيئة تنظيمية داعمة تسهّل عمل المستثمرين وتعزز التعاون الصناعي، بما يحقق تقدماً اقتصادياً ملموساً وقابلاً للقياس.

عيسى الخوري

الوزير عيسى الخوري قال: اليوم يُعاد رسم الخريطة الصناعية العالمية، والشركات الأوروبية تطوّر هيكلة سلاسل التوريد. لقد أصبح التمركز الصناعي القريب (Near-shoring) والتمركز الاستراتيجي الخارجي (Off-shoring) ضرورةً لا خياراً، مؤكداً أن لبنان يقدم عرضاً استراتيجياً واعداً يمكن أن يشكّل، في حوض المتوسط، مركزاً إقليمياً لتكامل الصناعات التكنولوجية والتقليدية الإيطالية، ليكون منصة إنتاج قريبة جغرافياً، عالية الكفاءة، تدعم الصناعة الإيطالية من خلال التعاون والتكامل والتجميع، لتساهم في توسيع امتدادها الإقليمي.

وأكد الوزير عيسى الخوري أن لبنان بإمكانه أن يوفر طاقات هندسية متعلمة ومتعددة اللغات، مدرّبة وماهرة، وخبرات متقدمة في التصنيع، ومنصة إنتاج قريبة من أوروبا، ووصولاً مباشراً إلى أسواق الشرق الأوسط والخليج وأفريقيا. وفي القطاعات الممثلة اليوم، لا سيما الميكاترونيكس والخدمات اللوجستية، يستطيع لبنان أن يحتضن مشاريع مشتركة متخصصة من خلال شراكات لنقل التكنولوجيا.

واقترح إنشاء لجنة عمل لبنانية – إيطالية للصناعات التكنولوجية والصناعات التقليدية، بالتنسيق المشترك بين كونفيندوستريا وجمعية الصناعيين اللبنانيين واتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان، حيث يمكن لهذه اللجنة: تحديد القطاعات ذات الأولوية للتصنيع المشترك، رسم خريطة القدرات الصناعية اللبنانية المرتبطة بسلاسل التوريد الإيطالية، تسهيل الشراكات الصناعية، إطلاق مشاريع تجريبية مشتركة خلال فترة تتراوح بين 6 و12 شهراً، ووضع إطار منظم للتمركز الصناعي القريب (Near-shoring)، لتكن هذه الزيارة محطة تساهم في تحويل الحوار إلى تعاون صناعي منظم ومستدام.

وشدد على أن لبنان لا يطلب مساعدات بل يقترح شراكة: «فلننتقل من علاقة تجارية إلى علاقة شركاء في الاستثمار، ومن الاستيراد والتصدير إلى التكامل في الإنتاج والتوزيع الإقليمي. فلنحوّل القرب الجغرافي إلى إنتاجية حقيقية”، معلناً أن الحكومة اللبنانية ووزارة الصناعة ملتزمتان بتوفير البيئة الداعمة وتسهيل كل ما يلزم لتحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي. فلنبنِ معاً، ليس فقط من أجل ميزان تجاري آني، بل من أجل مستقبل صناعي للغد.

درع

بعد ذلك قدّم شقير درع الهيئات الاقتصادية إلى رئيس الوفد الإيطالي لورينزو داتولي.

ثم أُقيم غداء على شرف الوفد الضيف في نادي الأعمال في الغرفة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *