جوزف فرح
انتهت اجتماعات لبنان مع صندوق النقد الدولي وخرج الاثنان يبشران بتقدم واضح في المفاوضات بينهما على سعيد الاصلاح المالي والاقتصادي وكان الاكثر تفاؤلا وزير المالية ياسين جابر عندما اعلن ان الاجواء ايجابية واحر ت تقدما ملموسا نحو الافضل وثمة جهود تبذل على وضع خطة خمسية اي متوسطة للمدى المنظور للتطور الاقتصادي في البلد
ويبقى السؤال :
هل نستطيع القول أن الاتفاق والتوقيع مع الصندوق قد اقترب ام أن أمامنا مخاض طويل وجملة من العقبات ؟وهل لانت شروط الصندوق بحيث اخذ باعتباره وضع لبنان وخصوصية الأزمة فيه.
كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس ورئيس قسم الدراسات فيه نسيب غبريل يحلل الأمر ويجيب على كل التساؤلات شارحا مجمل الوضع والمفاوضات التي جرت واذا كانت ستؤدي إلى النتيجة المرجوة.
يقول د.غبريل بداية:
لقد اتى وفد صندوق النقد الدولي في الأسبوع الماضي إلى لبنان واجتمع مع ممثلي السلطات اللبنانية في مصرف لبنان وفريق العمل الحكومي المعني بالمفاوضات مع الصندوق وهو الفريق الذي حضر مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع، وقد أصدر الصندوق بيانه الصحفي الذي يشبه بيانه الذي كان قد اصدره في شهر أيلول الماضي والذي كان واضحا جدا إذ قال انذاك أن القانون الذي أقره مجلس النواب في شهر تموز الماضي لإعادة تفعيل العمل المصرفي لا يمتثل للمعايير الدولية ويجب إدخال تعديلات عليه لكي يمتثل للمعايير الدولية. لقد قال أيضا أن موازنة العام ٢٠٢٦ليست موازنة طموحة بما فيه الكفاية ويجب أن يكون هدفها تحقيق فائض اولي يوازي ١،٧% من الناتج المحلي وعلى الحكومة ايضاتحضير إطار المالية العامة على المدى المتوسط اي توقعات الإيرادات والنفقات والعجز والفائض بالمالية العامة للمدى المتوسط اي الخمس سنوات المقبلة.لقد تم تحضير مشروع القانون الجديد الذي يتعلق بتحديد مصير الودائع في شهر أيلول الماضي وقد رأينا من خلال بيان الصندوق أنه لا يزال في الاتجاه ذاته وبأن معاييره لا تزال صارمة وليست كما توقع البعض بوجود بعض الليونة وبانه سيأخذ بعين الاعتبار خصوصية الأزمة في لبنان ، أنه في الحقيقة لا يزال مصرا على تعديل قانون إعادة الانتظام بالعمل المصرفي الذي صدر في شهر تموز الماضي او تحضير إطار المالية العامة للمدى المتوسط بينما لم تنجز الحكومةالعمل بهذا الإطار حتى الآن . كذلك في موضوع قانون تحديد مصير الودائع قال الصندوق أنه يجب إدخال تعديلات عليه لكي يمتثل للمعايير الدولية. لقد دخل بتفاصيل محددة حيث قال انه يجب على المساهمين في المصارف تحمل الخسائر ومن ثم تأتي تراتبية المسؤوليات تدريجيا اي الدائنين ولا يجب المساس بالودائع قبل المساهمين اي على هؤلاء استيعاب الخسائر بينما رأي مصرف لبنان هو معالجة الودائع غير المنتظمة أولا ثم تطبيق هذا المعيار الدولي . هذا برأيي ما يقوله المنطق لذا أرى أن الصندوق لم يكن متفهما لهذا الموضوع وهذا الأمر يبدو واضحا إذ أنه يصر على البدء بتطبيق تحمل الخسائر بدءا من المساهمين في القطاع المصرفي اي أنه يريد عمليا شطب راسمال المصارف كخطوة أولى. لقد أعاد العبارات التي استعملها في بياناته الصحفية السابقة كمثل موضوع استدامة الدين العام وعدم تحميل الدولة التزامات طويلة المدى ،كما شدد على السلطات بضرورة وضع إطار مالي عام للمدى المتوسط لكن من الواضح انه يريد رؤية تعديلات فيه كما سبق وطرح ولا يزال حتى الآن إذ أنه يريد تعديلات في قانون انتظام العمل المصرفي المعلق حتى إقرار قانون تحديد مصير الودائع.
إذن ما هي النتيجة التي استخلصتها من ذلك؟
لقد استنتجت اننا لا زلنا بعيدين عن التوصل إلى اتفاق مع الصندوق لأنه يوجد الكثير من الخطوات التي لم تتحقق بعد . أولا يجب أن يكون لدى السلطات اللبنانيه خطة اصلاحية انقاذية شاملة ومتكاملة وهي حتى الآن مجهولة المصير . ثانيا وضع الإطار العام للمالية العامة على المدى المتوسط ونحن لا نعرف المرحلة التي بلغتها السلطات في إعداد هذا الإطار لكن حسب الصندوق نعلم انهم بدأوا العمل به لكن لم يتم الانتهاء بعد منه . أن الصندوق أيضا لم يحدد موعدا نهائيا للقرار كما قال البعض بأن اجتماعات الربيع المقبل سيكون التاريخ المفصلي لقرار موافقة الصندوق على الاتفاق مع لبنان والحقيقة هي أنه سيكون محطة ثانية. أما المحطة المقبلة فستكون في اجتماعات الصندوق السنوية في شهر نيسان المقبل وفيها سيتم تقييم عمل السلطات اللبنانيه بخصوص ما هو مطلوب منها . انا شخصيا لا أرى اي تقدم في التوصل إلى اتفاق مع الصندوق ولا اعتقد ان التفاؤل مبرر حاليا لأنه من الواضح وجود توقعات لدى الصندوق لم تتغير وقد سبق وطلبها ولا يزال . إنه لا يزال مصرا على رأيه ومنهجيته وتطبيق المعايير التي يرى وجوب تطبيقها ولا يزال مصرا عمليا على أن الأزمة هي أزمة مصرفية وليست نظامية او سؤ استخدام السلطة السياسية وسؤ إدارة القطاع العام وعدم تطبيق حكم القانون وعدم احترام فصل السلطات. لقد طالب في بيانه الصحفي بإعادة تفعيل العمل المصرفي وتخفيف الإقتصاد النقدي وانا بصراحة لا أعرف كيف سيعمل القانون الذي صدر على ذلك بينما هدفه هو أن تسحب الناس اموالها تدريجيا على مدى اربع سنوات . كيف سيخفف ذلك من الإقتصاد النقدي؟.لفعل ذلك لا بد من وجود حوافز لكي تحفظ الناس اموالها في المصارف وان يوجد تشجيع لضخ سيولة اضافية في المصارف وتشجيع المساهمين الحاليين والمستثمرين المحتملين لإعادة رسملة المصارف . لكن في ظل شطب راسمال المصارف بالكامل والسيولة اصلا غير متاحة حاليا لتسديد ١٠٠٠٠٠دولار على أربع سنوات هذا أمر غير متيسر. لقد ذهبت السلطات الى إجراءات بمفعول رجعي فيها معاقبة للمساهمين بالمصارف واقصد هنا الغرامه او الضريبة ٣٠% اضافية على توزيع أرباح المساهمين التي حدثت بطريقة شرعية حسب القوانين لأن الجمعية العمومية لكل مصرف هي من وافق على توزيع الأرباح وقد دفع المساهمون الضرائب المتوجبة على ذلك واليوم يتم فرض ضريبة جديدة عليهم بمفعول رجعي لذا انا اسأل من سيأتي ويساهم بإعادة رسملة المصارف وإعادة تفعيل عملها بينما لا يوجد أي مساهم او مستثمر على استعداد لدفع دولار واحد في إعادة الرسملة اذا كان هذا الدولار سيذهب لتسديد التزامات سابقة . أن هذا كله لا يدخل ضمن المعايير التي يتكلم عنها صندوق النقد وانا لا أعلم كيف ستساعد هذه المقاربة على نهوض القطاع المصرفي او تخفف من الإقتصاد النقدي . اننا مقبلون اليوم على انتخابات نيابية في أيار المقبل وستبدأ لجنة المال والموازنة في الأسبوع المقبل بدراسة مشروع قانون تحديد مصير الودائع فهل يوجد وقت او قابلية للاستمرار في دراسة المشروع والتصويت عليه ونحن نقترب من موعد الانتخابات؟.. انا لا أعتقد بوجود قابلية لدى مجلس النواب للتصويت على قانون مجحف بحق المودعين والسلطات التي عليها إيجاد السيولةفالمسؤولية على مصرف لبنان والمصارف ولا وجود لأي التزام رسمي وعملي للدولة بتسديد الودائع. أن السيولة وبشكل رسمي غير موجودة لكن رغم أن هذا القانون غير مثالي وفيه العديد من الشوائب الا أن وجود قانون افضل من عدمه. أن المقاربة التي تقول بقانون سيء افضل من لا قانون هي خطوة مبدئية ترمى على مجلس النواب للتعديل وهو أمر لا يعجل بالتوصل إلى مشروع قانون يؤدي الى صدمة ايجابية واستعادة الثقة لذا أمام مجلس النواب اليوم مسؤولية كبيرة لكنني لا أدري اذا كان يوجد وقت او قابلية لتعديل القانون والتصويت عليه قبل الاستحقاق الانتخابي.
إذن البيان الصحفي للصندوق غير مرض؟
يوجد امر غريب وملفت في بيانه إذ يريد تقييم احتياطي مصرف لبنان بالذهب ليس على السعر الحالي إنما على معدل السعر في السنتين الماضيتين ولا اعرف ماهية هذا الطلب ولماذا وكيف وما هي أهدافه وخلفياته.. إنه امر غريب جدا لأن مصرف لبنان يضع قيمة الذهب في ميزانيته التي تصدر كل أسبوعين حسب المعايير الدولية ولهذا انا استغرب طلبه.ان صندوق النقد ومنذ فترة يقول للسلطات اللبنانيه بأنها في حال الاستدانه من الصندوق عليها الإلتزام بهذه المعايير والا باستطاعتها تطبيق الخطة التي تريدها دون دعم مالي من الصندوق . هذه هي خلاصة الأمر والصندوق لن يعترض على قرار الحكومة وقولها له أن شروطه لا تلاءم وضع لبنان وان لديها خطة ستطبقها بمفردها دون تمويل صندوق النقد لكن إذا أرادت الحكومة تمويل الصندوق فعليها الإلتزام بمعاييره وشروطه التي يعلن عنها.
أن النقطة الاساسيه في كل الموضوع هي أنه بعد ست سنوات من اندلاع الازمة لا يوجد سردية رسمية عن أسباب الأزمة وجذورها إنما يناسب قسم كبير من المعنيين أن يضعوا اللوم على الجهاز المصرفي اي مصرف لبنان والمصارف التجارية وان يتجنبوا اي مسؤوليه على الدولة وكأن الدولة في السنوات التي سبقت الأزمة جالسة على شواطىء كوباكابانا في البرازيل وقرأت بالصدفة في الجريدة في ١٧تشرين الأول ٢٠١٩ أنه يوجد أزمة في بلد بعيد اسمه لبنان وهي أزمة غامضة لا تفسير لها . انا اقول ان الثقة لن تعود مهما كان مضمون القانون اذا لم يتم الاعتراف بمسؤولية الدولة عن الأزمة واذا لم يكن هناك التزام واضح بمهل زمنية، وبأرقام وتفاصيل دقيقة وبالتزام قانوني من قبل الدولة بالمشاركة في الحل وتسديد جزء من الودائع لذا أن كل هذه المحاولات لن تؤدي إلى نتيجة إيجابية ترضي المودع وتعيد الثقة إلى القطاع المصرفي .
إذن ما هي الخلاصة بما يتعلق بصندوق النقد؟
أعود فاكرر أن صندوق النقد له منهجيته وطريقته التي يطبقها أينما كان في العالم وهو لا يرى أن ازمتنا هي أزمة لها علاقة بسوء استخدام السلطة السياسية وسوء إدارة القطاع العام وعدم تطبيق حكم القانون وعدم الإلتزام بالمهل الدستورية معتبرا انها شأن تقني في سردية طغت منذ بداية الأزمة وهي انها أزمة مصرفية ذات أسباب تقنية لذا حلها تقني بينما الحل لا يقتصر فقط على تقنيات لذا أعود فاكرر أنني لا أرى اننا اقتربنا من ابرام اتفاق مع الصندوق بينما يوجد مسافة بعيدة بين ما يتوقعه الصندوق وما توصلت اليه السلطات اللبنانيه حتى الآن كما يوجد مسافة أكبر بين ما يتوقعه الصندوق وما يتوقعه الشعب اللبناني والمودعين والقطاع الخاص في لبنان . مع العلم أنه يجب التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد وانا لست ضد ذلك لكن يجب أن يكون اتفاقا يؤدي إلى صدمة ايجابية والى استعادة الثقة وان يكون لصالح الإقتصاد اللبناني. صحيح أن صندوق النقد هو من سيدين الدوله التي ذهبت اليه وطلبت الاستدانه منه والتفاوض معه للتوصل إلى اتفاق إصلاحي تمويلي وليس فقط إصلاحي او مساعدات تقنية . من حق الصندوق أن يقول في حال اقراضه الدولة المليارات أن يتأكد بأن هذه الدولة باستطاعتها تسديد هذه المليارات ونحن عندما نسمع استدامة الدين العام فهذا هو الهدف الحقيقي اي التأكد من قدرة الدولة على تسديد الدين في الوقت المحدد وضمن مهلة زمنية واضحة يتم الاتفاق عليها بين الطرفين . أن الاتفاق مع صندوق النقد هو لإعطاء مصداقية للبرنامج الإصلاحي لأي دولة ويفتح الباب أمام اي مصادر تمويل . لكن أعود فاكرر سؤالي أين هو هذا البرنامج الإصلاحي لدى السلطات اللبنانيه؟.. اننا لا ندري أين هو واذا انتهت فعلا من وضع بنوده . بحسب صندوق النقد لم يتم الانتهاء بعد من ذلك رغم وجود عمل واضح على مشروع الإطار المالي على المدى المتوسط لذا برأيي على الحكومة الحالية سحب مشروع القانون الذي حولته الى المجلس النيابي والذي تخلصت منه بالحقيقه لأنه يوجد فيه الكثير من الشوائب تؤدي إلى عدم إمكانية تطبيقه بصيغته الحالية.انا لا أعتقد بأن المجلس النيابي لديه القابلية والاستعداد او الوقت لتعديل المشروع او التصويت عليه قبل الاستحقاق الانتخابي وهذا لا يعني أنه لا يريد ذلك لكن الوضع الحالي قبل الانتخابات يمنع ذلك كما أن صندوق النقد غير راض عن مضمون هذا المشروع وقد وصفه بخطوة جيدة لكنه غير راض عن المضمون لذا افضل حل برأيي هو استعادة هذا المشروع وتطويره من خلال الأخذ بعين الاعتبار تصحيح الشوائب التي يتضمنها وجعله بعد تصويت مجلس النواب عليه قانونا يؤدي إلى صدمة ايجابية واستعادة الثقة.







