ناجي الخوري
في عالم المال، تُعدّ قوة الدولار مرآةً لهيبة الاقتصاد الأميركي ونفوذه العالمي. لكن حين يخرج الرئيس الاميركي ليصف تراجع الدولار أو “انهياره” بأنه أمر رائع، فهو لا يتحدث بلغة البنوك المركزية بقدر ما يتحدث بلغة التاجر ورجل الصفقات. فكيف يمكن لعملة تُعدّ العمود الفقري للنظام المالي العالمي أن يتحول ضعفها إلى خبر سار في خطاب سياسي – اقتصادي؟
من منظور تقليدي، قوة الدولار تعني استقراراً مالياً، وتدفقات رأسمالية ضخمة نحو الولايات المتحدة، وثقة عالمية بالاقتصاد الأميركي. لكن الوجه الآخر للعملة، حرفياً، أن الدولار القوي يجعل الصادرات الأميركية أغلى ثمناً في الأسواق العالمية، ويضغط على الصناعات المحلية التي تنافس الواردات الأرخص. وهنا تحديداً يكمن جوهر رؤية ترامب.
ينطلق ترامب من فكرة أن أميركا خسرت لعقود بسبب “الدولار القوي أكثر من اللازم”. فعندما ترتفع قيمة العملة، تصبح السلع الأميركية أعلى كلفة للمستهلك الأجنبي، ما يقلص القدرة التنافسية للصناعات الأميركية، خصوصاً في قطاعات مثل الصلب والسيارات والتكنولوجيا المتوسطة. فضعف الدولار، بالمقابل، يخفض الأسعار نسبياً في الخارج ويمنح الشركات الأميركية أفضلية سعرية، ما قد يساهم في تقليص العجز التجاري المزمن الذي طالما اعتبره ترامب دليلاً على “اختلال” العلاقات الاقتصادية مع الصين وأوروبا.
واضح ان الرئيس ترامب يربط في خطابه السياسي، بين سعر الصرف وفكرة “إعادة أميركا الصناعية”، فالدولار القوي يشجع الشركات على نقل مصانعها إلى الخارج للاستفادة من كلفة إنتاج أرخص ثم إعادة بيع المنتجات في السوق الأميركية القوية شرائياً. أما الدولار الأضعف، فيجعل الإنتاج داخل الولايات المتحدة أكثر جاذبية نسبياً، ويحدّ من الإغراءات المرتبطة بالتصنيع الخارجي. من هذا المنطلق، قد يرى ترامب في تراجع الدولار خطوة باتجاه تعزيز الوظائف الصناعية واستعادة الطبقة العاملة التي تشكل قاعدته الانتخابية.
لذلك تعتبر الولايات المتحدة أكبر مدين في العالم من حيث القيمة المطلقة. ورغم أن ديونها مقوّمة بالدولار، ما يمنحها ميزة لا تملكها دول أخرى، فإن تراجع قيمة العملة عملياً يخفف العبء الحقيقي للدين بمرور الوقت. فالتضخم المصاحب لضعف العملة يقلل القيمة الفعلية للمدفوعات المستقبلية. صحيح أن هذا سيف ذو حدين، لكنه من منظور سياسي قد يُقدَّم كآلية غير مباشرة لتآكل الدين.
عمليا، لطالما استخدمت واشنطن قوة الدولار كسلاح نفوذ عالمي عبر العقوبات والنظام المالي الدولي. لكن ترامب، بخطابه المختلف عن المؤسسة التقليدية، يميل إلى رؤية العملة أيضاً كأداة تفاوض، اذ ان الإيحاء بأن الولايات المتحدة لا تتمسك بدولار قوي بأي ثمن قد يكون رسالة للأسواق وللشركاء التجاريين بأن واشنطن مستعدة لإعادة رسم قواعد اللعبة النقدية إذا اقتضت مصالحها ذلك.
مع ذلك، يبقى وصف انهيار الدولار بالأمر الرائع تبسيطاً سياسياً لواقع أكثر تعقيداً. فالدولار ليس مجرد عملة وطنية، بل هو عملة احتياط عالمية تشكل العمود الفقري للتجارة الدولية وأسواق الطاقة والديون السيادية. فأي انهيار فعلي وسريع قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في التضخم داخل الولايات المتحدة، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، واضطراب في أسواق السندات التي تعتمد عليها الخزانة الأميركية لتمويل عجزها.
كما أن المستثمرين العالميين قد يطالبون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالأصول الأميركية إذا شعروا بأن العملة تفقد استقرارها، ما يعني ارتفاع كلفة الاقتراض. وهذا قد يعاكس الهدف المعلن بتحفيز الاقتصاد.
اشارة الى انه من المهم التمييز بين “انخفاض مدروس” في قيمة الدولار ضمن دورة اقتصادية طبيعية، وبين “انهيار” فعلي يضرب الثقة العالمية. الأول قد يكون مفيداً للصادرات وللنمو على المدى القصير، أما الثاني فيحمل مخاطر نظامية تهدد موقع الولايات المتحدة في قمة الهرم المالي العالمي.
عليه، عندما يصف الرئيس ترامب تراجع الدولار بالأمر الرائع، فهو يخاطب شريحة ترى في العولمة النقدية سبباً لتآكل الوظائف المحلية، لكنه في المقابل، يتجاهل، أو يقلل من شأن أن قوة الدولار كانت لعقود أحد أعمدة النفوذ الأميركي العالمي. فالمعادلة الدقيقة تكمن في تحقيق توازن بين عملة قوية بما يكفي للحفاظ على الثقة، وضعيفة بما يكفي لدعم القدرة التنافسية.
هنا تحديداً تدور المعركة الحقيقية: بين من يرى الدولار رمز الهيمنة والاستقرار، ومن يراه عبئاً على الصناعة الوطنية. وبين هذين المنظورين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لأميركا أن تربح اقتصادياً من دولار أضعف من دون أن تخسر موقعها المالي العالمي؟




