شهد العام الماضي ارتفاعا ملحوظا في عدد ناقلات النفط والسفن التجارية الأخرى التي تخلى عنها مالكوها حول العالم، ولكن ما السبب في هذه الزيادة المفاجئة في عدد الناقلات المهجورة؟ وما هو الأثر الإنساني على البحارة المتضررين؟
للإجابة على ذلك، تحدث لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” ضابط سطح سفينة كبير يُدعى إيفان، من ناقلة نفط مهجورة خارج المياه الإقليمية الصينية.
وفي حديثه قال الضابط الروسي: “كنا نعاني من نقص اللحوم والحبوب والأسماك وغيرها من الضروريات الأساسية للبقاء على قيد الحياة، لقد أثر ذلك على صحتنا وعلى بيئة عملنا”.
وتابع: “بعد أن تُركنا، كان الطاقم جائعًا وغاضبًا، وكنا نحاول البقاء على قيد الحياة”.
والسفينة التي عاشت هذه الظروف، والتي لم تكشف “بي بي سي” عن اسمها لحماية إيفان، كانت محملة بنحو 750 ألف برميل من النفط الخام الروسي، بقيمة اسمية تبلغ حوالي 50 مليون دولار.
وقد أبحرت من أقصى شرق روسيا متجهة إلى الصين في أوائل تشرين الثاني، وتم الإبلاغ عن أنها مهجورة في كانون الأول من قبل الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF)، بعد أن صرح الطاقم أنهم لم يتقاضوا رواتبهم لعدة أشهر.
ولا تزال السفينة في المياه الدولية، ونظرًا لمستوى التدقيق المحيط بها، يُعتقد أن الصين غير راغبة في السماح لها بالدخول إلى الميناء.
ومع ذلك، تدخل الاتحاد الدولي لعمال النقل لضمان حصول إيفان وزملائه على رواتبهم حتى كانون الأول، ورتّب إرسال الطعام ومياه الشرب وغيرها من الضروريات إلى السفينة.
وبينما تم إعادة بعض أفراد الطاقم إلى أوطانهم، لا يزال معظمهم، مثل إيفان، على متن السفينة.
وفي عام 2016، تم التخلي عن 20 سفينة حول العالم، وفقًا للاتحاد الدولي لعمال النقل.
ووفق تقرير لموقع “يورو نيوز”، ارتفع في عام 2025 عدد السفن التي تم التخلي عنها بشكل كبير، ليصل إلى 410 سفن، بلغ عدد ضحاياها 6223 بحارًا تجاريًا. وقد زاد كلا الرقمين في عام 2025 بنحو الثلث مقارنةً بعام 2024.
ويُعد عدم الاستقرار الجيوسياسي من العوامل الرئيسية في هذا الارتفاع خلال السنوات الأخيرة، فقد أدت النزاعات واسعة النطاق وجائحة كوفيد-19 إلى اضطراب سلاسل التوريد وتقلبات حادة في تكاليف الشحن، مما دفع بعض المشغلين للكفاح من أجل البقاء.
ويقول الاتحاد الدولي لعمال النقل إن الانتشار المتزايد لما يُسمى بـ”أسطول الظل” ساهم في الارتفاع الكبير العام الماضي.
وهذه السفن، التي غالبًا ما تكون ناقلات نفط مثل تلك التي كان عليها إيفان عالقًا، عادةً ما تكون قديمة، ذات ملكية غامضة، غير صالحة للإبحار، ومن المحتمل أنها غير مؤمنة، وتشكل خطرًا على العمليات.
وغالبًا ما تبحر هذه السفن تحت أعلام دول ذات رقابة تنظيمية محدودة للغاية، وتسعى للعمل سرًا لمساعدة دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا على تصدير نفطها الخام في انتهاك للعقوبات الغربية.
روسيا، على سبيل المثال، بعد حربها في أوكرانيا في شباط 2022، واجهت عقوبات حدّت من سعر بيع نفطها الخام، لكنها وجدت مشترين مستعدين لدفع سعر أعلى مثل الصين والهند، مع أن الأخيرة تعهدت الآن بوقف عمليات الشراء وفق اتفاقية تجارية أميركية حديثة.
ويستخدم قطاع الملاحة ما يُعرف بـFOC أو “أعلام الملائمة”، عبر تسجيل السفينة تحت علم دولة غير الدولة المالكة الحقيقية، للاستفادة من مزايا تنظيمية أو مالية.
وانتشرت هذه الأعلام منذ أكثر من قرن، كوسيلة للتحايل على القوانين واللوائح المحلية، ففي عشرينيات القرن الماضي كان شائعًا تسجيل سفن الركاب المملوكة لأمريكيين في بنما للتحايل على قوانين الحظر وبيع الكحول على متنها.
وتُعد بنما وليبيريا وجزر مارشال من أكثر الدول استخدامًا لأعلام الملائمة، إذ تمثل 46.5% من إجمالي السفن التجارية، لكن غامبيا أصبحت لاعبًا رئيسيًا في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.
وفي عام 2023 لم تكن هناك أي ناقلات نفط مسجلة باسم غامبيا، ولكن بحلول آذار من العام الماضي، أصبحت غامبيا دولة مضيفة لـ35 ناقلة نفط، وتحصل الدول المضيفة على رسوم كبيرة.
وتعتبر السفن الخاضعة لسياسة “أعلام الملائمة” من أكثر السفن التي تتعرض للهجر، ففي عام 2025 بلغ عددها 337 سفينة، أي ما يعادل 82% من إجمالي السفن المتروكة في أنحاء العالم.
ولا يزال عدد سفن “أسطول الظل” ضمن هذا الرقم غير واضح، ونظرًا لسوء حالة هذه السفن وهياكل ملكيتها غير الواضحة، غالبًا ما تتعرض هذه السفن وطواقمها لمخاطر أكبر.
وتنص توجيهات المنظمة البحرية الدولية (IMO) على اعتبار البحار مهجورًا إذا عجز مالك السفينة عن تغطية تكاليف إعادته إلى وطنه، أو تركه دون صيانة ودعم، أو قطع العلاقات معه من جانب واحد، ويشمل ذلك عدم دفع الأجور التعاقدية لمدة شهرين على الأقل.
وفي العام الماضي بلغت مستحقات أطقم السفن التجارية المهجورة حول العالم 25.8 مليون دولار أمريكي، وفق بيانات صادرة عن وكالتين تابعتين للأمم المتحدة، هما المنظمة البحرية الدولية ومنظمة العمل الدولية.
ويزعم الاتحاد الدولي لعمال النقل أنه استرد وأعاد ما يقرب من ثلثي هذا المبلغ، أي 16.5 مليون دولار أمريكي، وكانت متأخرات الأجور على متن سفينة إيفان تُقدّر بنحو 175 ألف دولار عند بدء تدخل الاتحاد.
وكانت الجنسية الأكثر تضررًا من حالات التخلي عن البحارة في عام 2025 هي الجنسة الهندية، حيث بلغ عددهم 1125 بحارًا، أي ما يعادل 18% من الإجمالي، وجاء البحارة الفلبينيون (539) والسوريون (309) في المرتبتين الثانية والثالثة على التوالي.
وفي أيلول من العام الماضي، ولحماية مجتمعها البحري، أدرجت الحكومة الهندية 86 سفينة أجنبية على القائمة السوداء بسبب قضايا التخلي عن البحارة وانتهاكات حقوقهم، وكشفت التحقيقات أن العديد من هذه السفن لم يكن من الممكن تتبع مالكيها أو لم تتلق أي رد من دول العلم الذي تحمله.




