ناجي الخوري
في لحظة تبدو عابرة للوهلة الأولى، لكنها محمّلة بدلالات عميقة على مستقبل النظام المالي العالمي، عاد دونالد ترامب ليخلط الأوراق مجددًا، وهذه المرة من بوابة العملات الرقمية والاحتياطي الفدرالي الأميركي. فقرار الاتجاه نحو “تحصين” أو إدخال الأصول الرقمية في إطار التفكير الاحتياطي الأميركي لا يمكن قراءته كخطوة تقنية أو مالية بحتة، بل كتحوّل سياسي – اقتصادي يعكس صراعًا أوسع على شكل النقد، وحدود السيادة النقدية، ومستقبل الدولار نفسه في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّل الدولار الأميركي حجر الزاوية في النظام المالي الدولي، مستندًا إلى قوة الاقتصاد الأميركي، وعمق أسواقه المالية، واستقلالية الاحتياطي الفدرالي بوصفه حارس الاستقرار النقدي. لكن هذا النموذج، الذي بدا لعقود غير قابل للاهتزاز، بدأ يواجه ضغوطًا متراكمة: تضخم ديون الولايات المتحدة، توسّع العجوزات، استخدام الدولار كسلاح سياسي عبر العقوبات، وصعود بدائل نقدية وتقنية خارج الإطار التقليدي، أبرزها العملات الرقمية وتقنيات البلوك تشين.
في هذا السياق، يأتي توجه ترامب نحو تأمين الاحتياطي الأميركي من العملات الرقمية، أو على الأقل إدخالها في الحسابات الاستراتيجية للدولة الأميركية، كإقرار ضمني بأن النظام النقدي العالمي يقف على أعتاب مرحلة انتقالية. فالرئيس الأميركي، المعروف بنزعته الشعبوية وقراءته السياسية الحادة لموازين القوة، يدرك أن تجاهل التحولات الرقمية لم يعد خيارًا، وأن ترك هذا المجال بلا مظلة أميركية قد يفتح الباب أمام قوى منافسة، من الصين إلى تكتلات مالية ناشئة، لإعادة رسم قواعد اللعبة النقدية.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في الجهة التي تمسّها. فالاحتياطي الفدرالي ليس مجرد بنك مركزي، بل مؤسسة مستقلة شكّلت على مدى عقود صمام أمان للاقتصاد الأميركي، ومرجعية ثقة للأسواق العالمية. فأي مساس بدوره أو إدخال عناصر شديدة التقلب، كالعملات الرقمية، في محيطه الاستراتيجي، يثير تساؤلات جوهرية حول حدود السياسة النقدية، واستقلالية القرار المالي، والتوازن الدقيق بين الابتكار والاستقرار.
فالرئيس ترامب، الذي خاض في ولايته الأولى صدامات علنية مع الاحتياطي الفدرالي بسبب أسعار الفائدة والسياسة النقدية، يعود اليوم ليطرح رؤية غير تقليدية: بدلاً من مقاومة العملات الرقمية أو محاصرتها تنظيميًا، يجري التفكير في احتوائها ضمن إطار الدولة. مقاربة، وإن بدت للبعض جريئة أو حتى مغامِرة، تعكس منطقًا استراتيجيًا مفاده أن الخطر الأكبر لا يكمن في التقلبات، بل في فقدان السيطرة.
فالعملات الرقمية، شاءت واشنطن أم أبت، أصبحت واقعًا ماليًا عالميًا، والأسواق تتعامل معها كفئة أصول قائمة بذاتها، لا يمكن شطبها بقرار إداري.
في المقابل، يطرح هذا التوجه إشكاليات عميقة. كيف يمكن التوفيق بين طبيعة العملات الرقمية اللامركزية، القائمة على تقويض دور الوسيط المركزي، وبين فلسفة الاحتياطي الفدرالي المبنية على التحكم بالسيولة وإدارة التضخم؟ وهل يؤدي إدخال هذه الأصول في التفكير الاحتياطي إلى تعزيز متانة النظام المالي الأميركي، أم إلى فتح ثغرات جديدة في جدار الثقة الذي يستند إليه الدولار؟
الأهم من ذلك، أن خطوة ترامب لا يمكن فصلها عن البعد الجيوسياسي. فالعملات الرقمية لم تعد مجرد أدوات استثمار أو مضاربة، بل تحولت إلى جزء من صراع النفوذ العالمي. دول تخضع لعقوبات، أنظمة مالية ناشئة، وحتى شركات تكنولوجية عملاقة، باتت ترى في هذه الأصول وسيلة للالتفاف على النظام المالي التقليدي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. من هنا، فإن إدخال العملات الرقمية في الاستراتيجية الأميركية قد يكون محاولة استباقية لإعادة تطويع هذا السلاح بدل تركه في أيدي الخصوم.
من زاوية أخرى، تعكس هذه الخطوة تحوّلًا في الخطاب الأميركي ذاته. فبعد سنوات من التحذير من مخاطر الكريبتو، وغسل الأموال، وعدم الاستقرار، ننتقل إلى مرحلة التفكير في “التحصين” و”الاحتواء”. تحول لا يخلو من تناقضات، لكنه يكشف عن إدراك متزايد بأن الاقتصاد الرقمي لم يعد هامشًا، بل بات في صلب معادلات القوة.
عليه، فإن توجه ترامب نحو تأمين الاحتياطي الفدرالي من العملات الرقمية يشكّل أكثر من مجرد فكرة مالية جديدة؛ إنه عنوان لمرحلة انتقالية يعيشها النظام النقدي العالمي، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد، والابتكار بالمخاطر، والدولة بالسوق.
فبين من يراه خطوة استباقية ذكية لحماية الهيمنة الأميركية، ومن يعتبره مقامرة قد تهدد استقرار أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بداية إعادة تعريف معنى “الاحتياطي” و”النقد”، أم مجرد مناورة سياسية في معركة أكبر على مستقبل المال؟







