ناجي الخوري
في لحظة لبنانية شديدة التعقيد، حيث تتداخل الانهيارات المالية مع الشلل السياسي، ويكاد الأمل باستعادة الحقوق يتآكل تحت وطأة الوقت والوقائع، جاء المؤتمر الصحافي لحاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، ليشكّل حدثاً مفصلياً لا يمكن التعامل معه كخبر مالي عابر أو مؤتمر صحافي تقني.
ففي موقف متكامل، حمل في طيّاته أبعاداً نقدية ومالية وقضائية وسيادية، أعاد سعيد رسم دور المصرف المركزي من مؤسسة محاصرة بالاتهامات إلى طرف فاعل يسعى، نظرياً وعملياً، إلى قلب معادلة الأزمة: من تحميل الخسائر للمودعين، إلى ملاحقة من راكمها واستفاد منها. محاولا ان لا يقع في التجربة.
فالبيان لم يكتسب أهميته من لغته الحازمة فحسب، بل من كونه يضع، للمرة الأولى بشكل واضح ومباشر، خريطة طريق مزدوجة لاسترداد الأموال: أموال جرى الاستيلاء عليها أو تبديدها أو تحويلها بطرق غير مشروعة من داخل مصرف لبنان وخارجه، وأموال وُضعت بتصرف الدولة اللبنانية على مدى عقود، خارج أي إطار محاسبي أو قانوني شفاف، حتى تحوّل المصرف المركزي إلى ممول دائم لعجز الدولة وسياساتها، على حساب احتياطاته وعلى حساب أموال المودعين.
في العمق، يعكس هذا الموقف إدراكاً متأخراً لكن ضرورياً بأن الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة سيولة أو إدارة نقدية فاشلة فحسب، بل أزمة حوكمة ومسؤوليات متراكمة. فالفجوة المالية التي يُختلف على حجمها لم تنشأ من فراغ، بل هي نتيجة منظومة كاملة من القرارات، والتجاوزات، والتواطؤ الصريح أحياناً، بين مسؤولين رسميين، ومصرفيين، ومستشارين، وشركات وسيطة، عملت جميعها ضمن بيئة سياسية تحمي النفوذ وتُضعف المحاسبة.
من هنا، فإن أهمية هذا البيان لا تكمن فقط في ما أعلنه من دعاوى وإجراءات، بل في السردية التي يسعى إلى تكريسها: رواية تقول إن مصرف لبنان لم يكن وحده المتحكم بكل المسار، وإن جزءاً كبيراً من الاستنزاف حصل عبر آليات منظمة، بعضها باسم “الاستشارات”، وبعضها تحت عنوان “دعم” فرضته الحكومات، وبعضها الآخر عبر شبكات شركات أوفشور وعمولات وعمليات مالية معقدة لا يمكن فصلها عن شبهة الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال.
في هذا السياق، يشكّل ربط استرداد الأموال حصراً بسداد حقوق المودعين نقطة محورية في الخطاب الجديد. فالمودع، الذي كان الغائب الأكبر عن كل الخطط والمقاربات السابقة، يوضع هنا في صلب الهدف المعلن. ليس بوصفه شعاراً شعبوياً، بل كمعيار لقياس نجاح أو فشل أي مسار قانوني أو مالي.
لقد أقر الحاكم، ضمناً، بأن أي خطة تعافٍ لا تنطلق من استعادة الأصول القابلة للتسييل، تبقى حبراً على ورق، وأن توزيع الخسائر قبل تحديد المسؤوليات هو ظلم مقنّع مهما اختلفت تسمياته.
لكن في المقابل، لا يمكن قراءة هذا الموقف بمعزل عن مخاطره. ففتح مواجهة مباشرة مع الدولة اللبنانية حول عشرات مليارات الدولارات التي وُضعت بتصرفها، يعني عملياً الدخول في نزاع سيادي – مالي غير مسبوق. نزاع قد يعيد خلط الأوراق بالكامل: من يتحمّل الخسائر؟ من يملك حق السداد؟ ومن يقرر مصير أموال المصرف المركزي؟ هذه أسئلة لا تتعلق بالمال فقط، بل بطبيعة النظام نفسه، وبالعلاقة بين السلطة السياسية والسلطة النقدية.
كما أن الذهاب بعيداً في الملاحقات الخارجية، والانخراط في ملفات قضائية دولية معقدة، يضع مصرف لبنان أمام اختبار مزدوج: اختبار الجدية والاستمرارية من جهة، واختبار القدرة على الصمود أمام الضغوط السياسية والداخلية من جهة أخرى. فلبنان، بتجربته الطويلة، يعرف كيف تبدأ المعارك الكبرى، لكنه يعرف أيضاً كيف تُفرغ من مضمونها عند أول تقاطع مصالح.
عليه، تأتي هذه المقدمة لتؤكد أن بيان حاكم مصرف لبنان ليس نهاية مسار، بل بدايته. هو إعلان نوايا ثقيل الوطأة، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع الماضي، ومع الحاضر في آن واحد. مرحلة قد تنجح في استعادة جزء من الثقة والحقوق، وقد تتحول، إذا لم تُستكمل بإصلاحات بنيوية وقضاء مستقل، إلى فصل إضافي من فصول إدارة الأزمة بالكلام.
في كل الأحوال، يبقى السؤال الجوهري: هل نحن أمام تحوّل فعلي في منطق إدارة المال العام والمصرفي في لبنان، أم أمام محاولة أخيرة لإعادة صياغة الدور والتموضع في لحظة الانهيار الشامل؟
الإجابة لن تكون في البيانات، بل في النتائج.







