ناجي الخوري
تشكل المرحلة الراهنة التي يمر بها لبنان منعطفًا حاسمًا في مسار الأزمة المالية المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات، حيث باتت الحاجة إلى إيجاد حلول عاجلة وواقعية لتقليص الفجوة المالية أمرًا لا يمكن تأجيله.
في هذا السياق، يكتسب مشروع قانون الفجوة المالية أهمية قصوى، ليس فقط لأنه يمثّل محاولة رسمية لمعالجة الخسائر المتراكمة في النظام المالي والمصرفي، بل لأنه أيضًا مؤشر واضح على نوايا الحكومة الانتقال من مرحلة الإنكار والتسويف إلى مرحلة الاعتراف بالقيمة الحقيقية للفجوة المالية والعمل على توزيع مسؤولياتها بشكل قانوني ومنصف، أقله من الناحية المبدئية المفترضة.
الا ان إحالة المشروع إلى المجلس النيابي فتحت بابًا جديدًا من التحديات، مع نقل الملف من حيز القرار التنفيذي إلى ساحة الصراع السياسي، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع الحسابات الطائفية والسياسية. تحرك قانوني يحمل رسائل مزدوجة: داخليًا، يشير إلى استعداد السلطة لتقديم حلول ولو جزئية لمعالجة الانهيار المالي، وخارجيًا، يمثل إشارة إيجابية تجاه المؤسسات المالية الدولية وصندوق النقد، مفادها أن لبنان ملتزم بخارطة طريق للتعافي المالي، حتى وإن كان هذا الالتزام يواجه تحديات كبيرة على الأرض، وهو ما بينته بيانات الترحيب الدولي، وتحديدا من فرنسا الذي ضغط موفدها الرئاسي جان ايف لودريان بكل ثقله لاقراره.
كما أن التقديرات المتعددة تشير إلى أن مصير المشروع داخل البرلمان سيكون حاسمًا في تحديد مدى قدرة لبنان على استعادة الثقة المالية والاقتصادية. فالنتائج النهائية لن تكون مجرد انعكاس لقرار تقني، بل ستعكس قدرة القوى السياسية على التوافق على آليات توزيع الخسائر، حماية صغار المودعين، وضمان استقرار النظام المالي، أو على العكس، قد تتحول إلى أداة لتأجيل المعالجة وإطالة أمد الأزمة.
عليه ما هي السيناريوهات النيابية المتوقعة؟
وفقا للتقديرات، يُتوقَّع أن يسلك مشروع قانون الفجوة المالية واحداً من ثلاثة مسارات أساسية، لكلٍّ منها انعكاساته المباشرة على مستقبل التعافي المالي والاقتصادي في لبنان، وهي:
- السيناريو الأول: يتمثّل في إقرار القانون بعد إدخال تعديلات جوهرية عليه، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية الودائع الصغيرة والمتوسطة، وتحديد أوضح لتوزيع المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي. هذا المسار، رغم ما قد يرافقه من نقاشات طويلة وضغوط سياسية، من شأنه أن يعزّز فرص التعافي الجزئي واستعادة حدّ أدنى من الثقة، سواء داخلياً أو خارجياً. غير أنّ كلفته الأساسية تكمن في إطالة أمد المفاوضات، وتأجيل النتائج العملية على الأرض، في ظل تعقيدات التوازنات السياسية والمصالح المتشابكة.
- السيناريو الثاني: يقوم على إقرار مشوَّه للقانون، بحيث يُمرَّر بنصوص معدّلة تخدم مصالح الكتل النافذة أو الجهات الأكثر تأثيراً، على حساب العدالة المالية وحقوق المودعين. في هذه الحالة، سيؤدي القانون إلى نتيجة معاكسة لما هو معلن، إذ ستتعرّض الثقة الدولية لضربة جديدة، ويتجمّد فعلياً أي مسار جدي للتعافي، مع ما يعنيه ذلك من استمرار العزلة المالية وفقدان فرص الدعم الخارجي.
- السيناريو الثالث: كأخطر الاحتمالات، ويتمثّل في تعطيل إقرار المشروع أو ترحيله تحت عناوين شعبوية، أبرزها “حماية المودعين”. هذا الخيار لا يقدّم حلاً بديلاً، بل يكرّس واقع الانهيار الصامت، حيث تستمر الخسائر بالتراكم من دون إطار قانوني واضح، ويستنزف ما تبقّى من ودائع وقيمة نقدية بصورة تدريجية، ما يجعل كلفة المعالجة المستقبلية أعلى وأكثر إيلاماً.







