ناجي الخوري
شكّل تصريح حاكم مصرف لبنان حول مشروع قانون “الاستقرار المالي وسداد الودائع”، (FSDR)، محطة مفصلية في النقاش الوطني الدائر حول كيفية معالجة واحدة من أعقد الأزمات المالية في تاريخ لبنان الحديث.
فالقانون المقترح لا يندرج في إطار تشريع مالي عادي، بل يُعدّ محاولة لإعادة تنظيم الخسائر المتراكمة في النظام المالي منذ 17 تشرين الأول 2019، ووضع إطار قانوني لسداد الودائع وإعادة بناء الثقة المفقودة بين المودعين والدولة والقطاع المصرفي.
من هنا، تأتي أهمية موقف الحاكم الذي حرص على الموازنة بين تأييد المبادئ العامة للمشروع والتحذير من مكامن الخلل التي قد تهدّد عدالته وقابليته للتطبيق.
موقف يكتسب بعدًا إضافيًا كونه يصدر عن الجهة النقدية الأولى في البلاد، وممثلة رئاسة الجمهورية، التي شاركت فعليًا في صياغة المشروع ضمن اللجنة الوزارية المصغّرة، ما يمنحها صفة التقييم من الداخل لا الاعتراض من الخارج.
فالحاكم لم يطعن بجوهر القانون، بل ركّز على شروط نجاحه، وفي طليعتها وضوح توزيع المسؤوليات، ولا سيّما دور الدولة باعتبارها المستفيد الأساسي من الأموال التي استُخدمت على مدى سنوات، إضافة إلى ضرورة الحفاظ على حدّ أدنى من متانة القطاع المصرفي كرافعة لأي تعافٍ اقتصادي.
في هذا السياق، يعكس تصريح الحاكم إدراكًا بأن سداد الودائع ليس شعارًا سياسيًا بل التزامًا قانونيًا وماليًا يتطلب أصولًا فعلية، وجدولًا زمنيًا واقعيًا، وخيارات مدروسة تحول دون تحميل المودعين كلفة الانهيار مجددًا، أو تحويل القانون إلى أداة لإدارة الأزمة بدل حلّها.
فما هي أهم النقاط التي تناولها؟
أولًا: في التقييم العام للموقف: إتّسم بيان الحاكم بقدر عالٍ من البراغماتية. فهو لم يذهب إلى رفض المشروع ولا إلى تبنّيه بلا شروط، بل اختار تثبيت شرعيته الإصلاحية من حيث المبدأ، مقابل التحذير من مخاطر الانزلاق إلى تطبيق غير قابل للاستدامة.
تموضع يهدف بوضوح إلى حماية ما تبقّى من مقومات النظام المالي من جهة، وإعادة تثبيت دور مصرف لبنان كمرجعية تقنية وقانونية لا يمكن تجاوزها في أي معالجة شاملة للخسائر.
ثانيًا: في البعد الاقتصادي والمالي: تأييد الحاكم للركائز الأساسية للمشروع، من تصنيف الودائع، إلى المزج بين النقد والأدوات المالية، إلى توزيع الأعباء، يعكس انسجامًا مع المعايير الدولية المعتمدة في حالات الأزمات المصرفية الكبرى.
غير أن النقطة الأكثر دلالة هي تشديده على قابلية التطبيق الواقعي. فالتحذير من الجداول الزمنية “الطموحة” ليس تفصيلًا تقنيًا، بل إشارة واضحة إلى خطر تكرار تجارب فاشلة حيث وُعد المودعون بمسارات سداد لم تُدعّم بأصول حقيقية أو تدفقات نقدية مستدامة، ما أدى إلى انهيار إضافي للثقة.
ثالثًا: في مسألة توزيع المسؤوليات: هنا يكمن جوهر الموقف. الحاكم يعيد تصويب النقاش نحو الدولة باعتبارها المستفيد النهائي من الجزء الأكبر من الأموال التي تكبّد النظام خسائرها. فمطالبته بمساهمة “صريحة، قابلة للقياس، وملزمة قانونًا” ليست فقط دفاعًا عن مصرف لبنان أو المصارف، بل محاولة لكسر نمط تاريخي من خصخصة الأرباح وتعويم الخسائر عبر تحميلها للقطاع المصرفي والمودعين حصريًا.
فمن دون هذا الوضوح، يتحوّل FSDR إلى قانون إعادة توزيع خسائر لا إلى قانون استقرار.
رابعًا: في حماية القطاع المصرفي: تحفّظ الحاكم على أي مقاربة تستنزف أو تلغي رساميل المصارف قبل إزالة المطالبات غير النظامية يعكس فهمًا دقيقًا لمنطق التعافي. فالتجارب الدولية تُظهر أن القضاء الكامل على رأس المال الخاص، من دون تسلسل واضح لترتيب المطالبات (bail-in hierarchy)، يؤدي إلى شلل ائتماني طويل الأمد، وتوسّع الاقتصاد النقدي، وهروب الرساميل، أي عكس الأهداف المعلنة للقانون.
من هذا المنطلق، فإن دفاعه عن بقاء المصارف كوسيط ائتماني ليس دفاعًا عن إداراتها، بل عن وظيفة اقتصادية لا بديل عنها في أي تعافٍ حقيقي.
خامسًا: في البعد السياسي – الاقتصادي: حاول الحاكم، بوضوح، سحب مشروع FSDR من بازار السجال السياسي وإعادته إلى ساحة التقييم المهني. توصيته بإخضاع المشروع لمراجعة حكومية معمّقة قبل إحالته إلى مجلس النواب تعكس خشية من تحويله إلى قانون “ترضية شعبية” قصير الأجل، بدل أن يكون إطارًا مستدامًا لإعادة الثقة.
عليه، فان بيان حاكم مصرف لبنان لا يشكّل عرقلة للمسار الإصلاحي، بل محاولة لإعادة هندسته على أسس واقعية. فنجاح قانون FSDR لن يُقاس بعدد الشعارات التي يرفعها، بل بقدرته على إعادة جزء فعلي من الودائع، تثبيت الاستقرار المالي، وإطلاق دورة ائتمانية جديدة.
فمن دون مساهمة دولة واضحة، ومصارف قابلة للحياة، وجدول تنفيذي قابل للتطبيق، سيتحوّل القانون من حجر زاوية للتعافي إلى محطة إضافية في مسار الانهيار.







