ناجي الخوري
بمجرّد أن تسرّبت فكرة إنشاء “منطقة اقتصادية خاصة” على الحدود الجنوبية للبنان، كجزء من مبادرة يُقال إنها تُطبخ في دوائر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تغيّر النقاش كلياً. فالموضوع لم يعد مجرّد ملف سياسي أو أمني عابر، بل تحوّل إلى حوار اقتصادي واسع، تتداخل فيه أحلام الاستثمار مع تحديات التنمية، وحسابات إعادة الإعمار مع واقع الحدود المغلقة والنزاعات الطويلة.
للوهلة الأولى، بدت الفكرة أشبه بمحاولة جريئة لإعادة رسم العلاقة بين الأمن والاقتصاد في منطقة لطالما عاشت على حافة الخطر. لكنها في الوقت نفسه طرحت سؤالاً بسيطاً رغم ثقله: هل يمكن لجنوب لبنان، الذي شهد حروباً وتهجيراً ودماراً، أن يتحوّل فعلاً إلى منصة إنتاج وفرص عمل وجذب استثمارات؟ وهل يستطيع أن يكتب فصلاً جديداً بعيداً عن صورة المنطقة الحدودية المهدَّدة دائماً؟
نظرياً، تبدو الفكرة براقة. فالمناطق الاقتصادية الخاصة نجحت في أماكن كثيرة حول العالم: من شينزن الصينية إلى جبل علي في الإمارات، ومن بولندا إلى فييتنام.
في كل هذه الحالات، كانت هذه المناطق نقطة انطلاق لاقتصادات منهارة أو متعثرة، فتحوّلت إلى محركات نمو هائلة. وحتى في لبنان، حلمت الحكومات المتعاقبة بمشاريع مشابهة في طرابلس والقليعات وبعلبك، على أمل جذب الأموال المهاجرة وتخفيف اعتماد البلاد على الاقتصاد الريعي الذي انهار بشكل مدوٍّ.
لكن الواقع أكثر قسوة. فنجاح أي منطقة اقتصادية لا يكفيه الحماس السياسي أو النوايا الطيبة. هو يحتاج إلى بيئة كاملة: تشريعات واضحة، بنية تحتية جاهزة، ضرائب تنافسية، لوجستيات حديثة، يد عاملة ماهرة، وشراكات دولية قوية. وهذه المتطلبات تصطدم في لبنان، خصوصاً في الجنوب، بعقبات مزمنة.
أول هذه العقبات هو البنية التحتية. فالجنوب يعاني من ضعف كبير في الكهرباء والمياه والطرقات والصرف الصحي والنقل العام. ومع الأزمات التي عاشها لبنان خلال السنوات الماضية، من الانهيار المالي إلى تراجع الخدمات الأساسية، تراجعت قدرة الدولة على تأمين الحد الأدنى من المقومات. فكيف يمكن أن تُبنى مصانع أو مراكز لوجستية في منطقة لا تستطيع تأمين كهرباء مستقرة أو طرقات صالحة لنقل البضائع؟
العقدة الثانية هي عدم الاستقرار المالي. فلبنان يعيش فوضى نقدية غير مسبوقة: أسعار صرف متعددة، نظام مصرفي مشلول، غياب ثقة المودعين، وانكماش في التمويل. أي مستثمر قد يفكّر في دخول منطقة اقتصادية جنوبية سيبحث أولاً عن نظام مالي موثوق، شفاف، وقابل للتنبؤ—وهو ما لا يمكن للبنان تقديمه اليوم.
أما العقدة الثالثة، وربما الأخطر، فهي مخاطر الاستثمار. فالجنوب، مهما قيل، يبقى منطقة حدودية عالية الحساسية. والاقتصادات الهشّة لا تجذب إلا نوعين من الاستثمارات:
– رؤوس أموال تبحث عن أرباح سريعة ورحيل أسرع،
– أو استثمارات مدفوعة بدوافع سياسية لا اقتصادية.
وهذه الاستثمارات لا تصنع تنمية حقيقية، ولا تبني استقراراً لسكان المنطقة، بل تتحوّل إلى مشاريع عمرها قصير أو مرتبطة بأجندات خارجية.
إلى جانب ذلك، يبقى عامل الثقة حجر الأساس في الاقتصاد. فالثقة هي ما يدفع مستثمراً لفتح مصنع، أو يدفع شريكاً دولياً للمخاطرة برأس ماله. وفي الجنوب تحديداً، الثقة شبه مفقودة: جزء من السكان يخشى نوايا الدول الكبرى، الدولة نفسها غير قادرة على فرض سيادتها بالكامل، المستثمرون لا يثقون باستدامة أي مشروع، والجهات الدولية تخاف من أن تتحوّل أموالها إلى أدوات بيد أطراف سياسية. كل هذا يجعل أي مشروع اقتصادي كبير يحتاج إلى توافق نادر، وهو ما لا يتوفر في لبنان حالياً.
ولا يجب تجاهل البعد الإقليمي أيضاً. فالمناطق الاقتصادية تنجح عادة عندما تكون جزءاً من شبكة تجارة واسعة. لكن الجنوب عالق بين حدود مغلقة مع إسرائيل، ومعابر برية محدودة ومنهكة عبر سوريا، وغياب لوسائل ربط حديثة. وهذا العزل الجغرافي يحدّ بشدة من الجدوى الاقتصادية لأي منطقة تجارية أو صناعية كبرى.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن للفكرة جانباً جاذباً. فالجغرافيا، مهما كانت صعبة، يمكن أن تتحوّل إلى فرصة إذا تغيّرت الظروف. وربما يرى البعض أن الجنوب قادر—في يوم ما—على أن يكون بوابة تبادل تجاري أو منطقة استثمارات مدعومة من الاغتراب اللبناني الواسع في أفريقيا وأميركا اللاتينية.
لكن بين النظرية والواقع، فجوة كبيرة. فالمناطق الاقتصادية لا تُبنى فوق أرض سياسية متحركة، ولا تنجح وسط انقسام داخلي، ولا يمكن إدارتها بلا بنى تحتية، ولا تُموَّل بلا ثقة. وما ينقص لبنان اليوم هو تماماً هذه العناصر: بنية تحتية، استقرار مالي، حماية قانونية، وإجماع سياسي على رؤية تنموية واحدة.
لذلك، أي نقاش جدّي حول مبادرة ترامب يجب أن يبدأ من حقيقة بسيطة: التنمية ليست بديلاً عن الاستقرار، بل هي نتيجته.
فالجنوب، قبل أن يتحوّل إلى مشروع اقتصادي، يحتاج إلى دولة قوية، مؤسسات فعّالة، وسوق قادرة على تحويل موقعه الحدودي من عبء إلى فرصة.







