ناجي الخوري
في لحظة سياسية واقتصادية شديدة الحساسية، يعود مصرف لبنان إلى الواجهة، في ظل الحديث المتزايد، عن امكان رفع سقف السحوبات من جديد، في إجراء يحمل أكثر من رسالة في المعنى وأكثر من رسالة في التوقيت.
فرفعُ سقف السحوبات للمودعين ليس مجرد قرار نقدي تقني، بل خطوة تتقاطع عند مفترق معقّد يجمع بين حسابات السلطة، ضغوط الشارع، مزاج الأسواق، والأهم: النقاش المحتدم حول قانون الفجوة المالية الذي بدأ يقترب من لحظة الحسم.
واضح أن القرار الذي ظاهره “تنفيسي” وباطنه “تقديري”، يعكس حقيقة عميقة في المشهد اللبناني: الاقتصاد لم يعد ساحة مستقلة، بل بات جزءاً مباشراً من المعركة السياسية التي تتحكم بمسار الدولة ومصير المودعين ومستقبل النظام المالي برمّته.
فرفع السقوف ليس فعلاً مالياً بريئاً، بل يدخل في إطار محاولة ترتيب موازين القوى قبل الدخول في معركة تشريعية قد تحدد من سيدفع الثمن النهائي لانهيار السنوات الخمس الماضية، عشية انتخابات نيابية مصيرية، في حال تمت في موعدها.
هنا تبدو المعادلة بسيطة، لكن خطيرة: كل ليرة تُضَخّ للمودعين اليوم، تُحتسب غداً ضمن كلفة فجوة مالية تريد الدولة أن تُحمّل جزءاً كبيراً منها للمصارف والمودعين، بينما تحاول السلطة السياسية أن تخرج بأقل الأضرار، أو على الأقل، أن تتقاسم الخسائر بطريقة تحفظ شبكة مصالحها.
لذلك، فإن رفع سقف السحوبات لا يمكن النظر إليه كخطوة تقنية منعزلة. هو في الواقع جزء من “معركة تموضع” كبرى بين أركان السلطة المالية والسياسية، ومحاولة لإعادة خلط الأوراق قبل أن يصل قانون الفجوة المالية إلى المجلس النيابي حيث ستبدأ الصفقة الكبرى: من يدفع؟ ومن ينجو؟ ومن يتم التضحية به؟
من جهة، يسعى مصرف لبنان إلى القول بأنه يقوم بما يستطيع لتخفيف الاحتقان الاجتماعي وإعادة جزء من الحقوق للمودعين، ولو بشكل جزئي ومجزّأ. من جهة أخرى، تسعى المصارف إلى إثبات أن أي زيادة في السحوبات ستزيد الضغط عليها، وبالتالي ستضعف قدرتها على الالتزام بخطة توزيع الخسائر التي تلوّح بها الدولة.
أما السلطة السياسية، فتبدو وكأنها تستفيد من هذه الإجراءات لشراء الوقت وامتصاص غضب الشارع فيما تستكمل هندسة قانون يهدف إلى “تسوية” السنوات الماضية على حساب فئات محددة.
بمعنى آخر، نحن أمام مشهد جديد من لعبة شدّ الحبال: مصرف لبنان يحاول أن يستعيد بعضاً من دوره، المصارف تدافع عن ما تبقى من رأسمالها، السلطة تبحث عن مخارج سياسية، والمودعون .… يدفعون مرة أخرى ثمن التفاهمات الضمنية بين القوى الفاعلة.
المفارقة أن النقاش حول الفجوة المالية، الذي يفترض أن يكون نقاشاً علمياً حول كيفية توزيع الخسائر، تحوّل إلى ملف سياسي بامتياز، كل طرف يحاول فيه تثبيت موقعه قبل الوصول إلى لحظة القرار الكبرى. لذلك يبدو رفع سقف السحوبات بمثابة خطوة “استباقية” تهدف إلى خلق واقع جديد قبل الدخول في أي تسوية.
في الخلاصة، يكشف هذا القرار، في حال اتخاذه، أن الاقتصاد اللبناني لا يزال يُدار بالقطعة، وأن السياسات النقدية تُستخدم كأدوات لإدارة اللحظة وليس لبناء رؤية طويلة المدى. لكن الأخطر أن المودعين يُستَخدمون مرة أخرى كورقة تفاوض في معركة توزيع الخسائر المقبلة تحت عنوان “قانون الفجوة المالية”.
ليبقى السؤال الاساسي: هل نحن أمام محاولة لتخفيف الضغط قبل تمرير قانون قاسٍ؟ أم أمام بداية فصل جديد من الصراع بين الدولة والمصارف؟
أم أمام خطوة تهيّئ الرأي العام لاعتبار السحوبات الحالية هي كل ما يمكن إنقاذه من الودائع؟
كل الاحتمالات مفتوحة… ولبنان لا يزال يدور في الحلقة نفسها: اقتصادٌ يُدار بالسياسة، وسياسةٌ تُدار بالأزمات.





