ناجي الخوري
في واشنطن، حيث تُرسم ملامح السياسات المالية العالمية وتُعاد صياغة أولويات الاقتصاد الدولي، حضر الوفد اللبناني اجتماعات الخريف لصندوق النقد والبنك الدوليين محمّلًا بملف ثقيل العناوين: أزمة مالية غير مسبوقة، اقتصاد يترنّح منذ أربع سنوات، ودولة عاجزة عن تنفيذ ما تتعهّد به.
فالرحلة الاميركية جاءت، في لحظة دقيقة سياسيًا واقتصاديًا، إذ يسعى لبنان لإعادة إدراج نفسه على خارطة الاهتمام الدولي بعد انكفاءٍ طويل، وفي ظلّ ضغوط متزايدة من الداخل والخارج لإعادة إحياء المفاوضات المجمدة مع صندوق النقد الدولي منذ أكثر من عامين.
يجمع المشاركون في واشنطن، ان الوفد “البيروتي” حاول جاهدا تقديم صورة أكثر “إيجابية” عن الوضع اللبناني، مشيرًا إلى استقرار نسبي في سعر الصرف وتراجع نسبي في معدلات التضخم. لكن خلف هذه الأرقام، بقيت الأسئلة الكبرى عالقة: ما هو مصير خطة التعافي المالي؟ أين أصبحت إصلاحات القطاع المصرفي والكهرباء والحوكمة؟ وكيف سيتعامل لبنان مع الشروط الجديدة التي يفرضها الصندوق في ضوء التبدلات الدولية وأسعار الفائدة العالمية؟ وماذا عن جدوى استمرار “الاقتصاد النقدي” المعتمد منذ الانهيار عام 2019؟
أسئلة استراتيجية تتجاوز الجوانب التقنية إلى السياسية، خصوصًا في ظلّ تراجع الثقة الدولية بقدرة الدولة اللبنانية على الالتزام بخطة إصلاح حقيقية، ووسط غياب أي إشارات واضحة عن توافق داخلي حول توزيع الخسائر أو إعادة هيكلة القطاع المالي.
هذه الخلفية المأزومة تجعل من تقييم مشاركة لبنان في اجتماعات الخريف اختبارًا مزدوجًا: اختبار القدرة على إقناع المؤسسات الدولية بأن لبنان لا يزال قابلًا للإنقاذ، واختبار الإرادة الداخلية على تحويل الوعود إلى أفعال.
مصادر رسمية مطلعة على مسار النقاشات التي شهدتها كواليس “اجتماعات واشنطن”، رأت ان “البعثة اللبنانية” عادت محمّلة برسائل متناقضة: إشارات تقدّم وإرادة للحوار من جهة، وتحذيرات صارمة ومتطلبات تنفيذية من جهة أخرى، حيث
لم تعد الوعود كافية، بل مطلوب إثبات قدرة تنفيذية عبر خطوات ملموسة وبرنامج زمني واضح.
عند هذا الحد توقفت المصادر عند مجموعة من النقاط اللافتة:
أولاً، من الناحية الشكلية، مثّلت المشاركة الرسمية (وزير المالية، حاكم مصرف لبنان ومسؤولون رفيعو المستوى) مؤشراً إيجابياً على أن الدولة تريد إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الجهات المانحة.
لكن حضور الأسماء وحده لم يكن كافياً، فما لفت المؤسسات الدولية هو غياب التوافق الكامل داخل الصف اللبناني حول تفاصيل تحميل “الخسائر البنكية” وآليات حماية المودعين، وهو ما ظهر في تضارب المواقف الى حد التعارض، خلال بعض اللقاءات، ما فتح الباب أمام مطالب وشروط أشدّ من قبل المانحين.
ثانيًا، النتائج الاقتصادية الفورية جاءت متواضعة، فالبنك الدولي عدّل توقعات النمو اللبناني وقرأ إشارة إلى تباطؤ تعافي واضح بسبب تبعات الصراع الإقليمي وتأخّر الإصلاحات الهيكلية (٣.٥%). تقديرات قللت من قدرة بيروت التفاوضية لدى الجهات المانحة كي تقبل بشروط ميسّرة بسهولة، لأن مخاطر الأداء المستقبلية تُحسب بدقّة أكبر.
ثالثًا، لا يزال ملف المصارف عقدة الخلاف الأساسية، حيث ان المسألة ليست فقط في “كيفية توزيع الخسائر” بل في الإطار القانوني والشفافية المطلوبة لتحديد المسؤوليات واسترجاع الأصول المهربة، وسط المخاوف من مراعاة مصالح مجموعات على حساب حماية المودعين الصغار.
فالمؤسسات الدولية تطالب بتشريعات واضحة، كقانون يتيح رقابة فعالة وتمكين مدقّقين مستقلين من الوصول إلى السجلات.
رابعا، الرسالة الدولية الأساسية كانت عملية وواضحة، اذ يحتاج لبنان إلى: دعم خارجي لكن بشروط واضحة، دعم تقني (capacity building)، منح مخططة، وقروض ميسّرة مشروطة بمعايير تنفيذ متدرجة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
واقع لا تعالج جذور مشاكله “حقن مالية” دون مؤشرات تنفيذ واضحة. فأي تمويل يُمنح يجب أن ترافقه آليات رقابة شفافة ومشاركة فنية من جهات متعددة.
صورة رمادية، تترك تداعياتها الداخلية، سياسياً، حيث ان ضغط المجتمع الدولي على ضرورة توحيد الموقف وتقديم إصلاحات ملموسة قد يزيد من حدة المواجهات الداخلية حول من يتحمل تبعات الإصلاحات، خصوصاً فيما يتعلق بالقطاع المصرفي والدعم المالي الموجّه، اما اقتصاديا، فانخفاض توقعات النمو واشتراطات شفافية أكبر يعنيان أن أي دعم قد يأتي مرحليا وبشروط، قد لا يكفي لردّ سيناريو الانهيار السريع؛ وبالتالي تحتاج الحكومة لبرنامج داخلي صلب لتخفيف الصدمة الاجتماعية.
في الخلاصة، أعادت اجتماعات واشنطن تأكيد حقيقة مزدوجة: هناك إرادة دولية لمساعدة لبنان شرط أن تُترجم النوايا إلى تنفيذ حقيقي، وفي المقابل لا تزال الهوّة بين ما يطالب به المجتمع الدولي وما يمكن أن يقدمه النظام السياسي اللبناني كبيرة.
فالنجاح لن يأتي من تصريحات في واشنطن بل من تشريعات وشفافية وتنفيذ في بيروت، وإثبات ذلك هو ما سيقرر إن كانت الفترة المقبلة بداية صحّية لعودة لبنان إلى سوق التمويل الدولي أم فصل آخر من الانتظار والتأجيل.







