ناجي الخوري
في بلدٍ يقف على حافة الإفلاس، ويعيش على “أوكسيجان” المساعدات الدولية المشروطة بالإصلاح، لم يكن ينقص لبنان سوى اشتعال جبهة جديدة بين حزب الله و”الدولة”، في لحظةٍ يجهد فيها ممثلو “الترويكا”، لتقديم صورة “النية الحسنة” أمام صندوق النقد الدولي والمانحين، جاء كلام الأمين العام، الشيخ نعيم قاسم، ليقلب الطاولة، بخطابٍ لاذعٍ هاجم فيه حاكم مصرف لبنان، ووزير العدل، متهماً إياهما بالارتهان للخارج، ومشكّكاً بصدقية الإصلاح المالي والقضائي الجاري.
في المبدأ كلام “الشيخ نعيم” لم يأتِ من فراغ، بل وُلد من رحم معادلة لبنانية مأزومة: إصلاحات مفروضة ومشروطة، تُترجم في الداخل على شكل معارك سلطوية، تتجاذبها قوى سياسية تتعامل مع كل خطوة مالية أو قضائية كتهديد مباشر لمصالحها.
فمنذ أكثر من سبعة أشهر، تتكدّس على طاولة الحكومة ملفاتٌ شائكة – إعادة هيكلة المصارف إلى التحقيق في تهريب الأموال ومحاسبة المتورّطين بالفساد المالي، مرورا بالفجوة المالية – تحوّلت إلى ساحة اشتباكٍ جديد بين من يراها “إصلاحاً ضرورياً” وبين من يعتبرها “استهدافاً سياسياً مقنّعاً”.
في قلب هذه “المعمعة”، جاءت مواقف “الشيخ نعيم”، كترجمة صريحة للخشية من أن تكون الإصلاحات المالية والقضائية واجهةً لفرض توازنات جديدة داخل الدولة، تُكمل على ما تبقى من مقدرات للحزب.
هكذا، تحوّل الخطاب إلى ما يشبه الإنذار السياسي: “لن نسمح بإصلاحٍ على حساب النفوذ القائم”.
المفارقة أن هذا التصعيد جاء في توقيتٍ بالغ الحساسية، عشية التعثر اللبناني في اجتماعات الخريف في واشنطن، ما ظهر كلام قاسم كأنه رسالة مزدوجة، داخلية وخارجية معاً: إلى الداخل، بأن الحزب ما زال اللاعب الأقوى في ضبط مسار الدولة؛ وإلى الخارج، بأن الإصلاح لا يمكن أن يُكتب له النجاح إذا تجاهل موازين القوى الداخلية.
من هنا، لا يمكن قراءة هجوم قاسم بمعزل عن المشهد الأوسع: صراعٌ على من يمتلك مفاتيح “الإصلاح المالي”، ومن يرسم حدوده، ففيما يطالب المجتمع الدولي باستقلال القضاء والمصرف المركزي، يرى حزب الله في ذلك محاولة لتدويل القرار المالي اللبناني.
ضغط دولي، أثمر تصاعد في الإجراءات القضائية والرقابية التي طاولت ملفات مالية حساسة، بعضها مرتبط بتهريب أموال، وبعضها بمخالفات مصرفية، وسط ضغط متزايد من صندوق النقد الدولي والدول المانحة.
خطوات، استشعر معها حزب الله بأن المسار قد يتجاوز حدود “الإصلاح التقني” ليبلغ عتبة “الاستهداف السياسي”.
في هذا الاطار، خرج الشيخ قاسم بخطابٍ لاذع، يهاجم فيه حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، ووزير العدل، عادل نصار، ويتهمهما، بتطبيق سياسات تخدم “الضغوط الأميركية”، قائلاً إن “لبنان ليس مزرعة، والمصرف المركزي ليس أداة تنفيذ لإملاءات الخارج”.
ففي نظر حارة حريك، كل مسار مصرفي أو قضائي يحدّ من حركة الأموال، أو يضيّق على البيئة التي تدور في فلكه، هو مسار مشبوه، حتى لو رُفع تحت راية الإصلاح، ما يحوّل النقاش المالي إلى ساحة مواجهة سياسية بامتياز.
اللافت أن الحزب اختار أن يخوض المعركة، في وقت لا زال صندوق النقد الدولي، يضع إصبعه على الجرح نفسه: لا مساعدات من دون شفافية، ولا اتفاق قبل استقلال القضاء والمصرف المركزي عن أي تأثير سياسي، موجهة صفعة لهذه المعادلة، إذ قصد وان لم يقلها صراحة: “لن نسمح بإصلاحٍ على حساب ميزان القوى القائم”.
فمن وجهة نظر حارة حريك، هذه المؤسسات ليست محايدة، بل تتحرك وفق أجندة خارجية تحاول عبر “الإصلاح المالي” تحقيق ما عجزت عنه العقوبات: خنق مصادر تمويلها، وتقييد بيئتها الاجتماعية والاقتصادية.
ارتباك رسمي
ردود الفعل لم تتأخر. حكوميا، بدا الارتباك واضحاً، حيث تجنّب الرئيس سلام الرد المباشر، مفضلاً “التهدئة”، فيما عبّر وزراء وسياسيون عن خشيتهم من أن يكون هذا الهجوم مقدمة لتعطيل خطة إعادة هيكلة القطاع المصرفي التي يُفترض أن تُعرض قريباً.
أما في الخارج، فقد التُقطت الرسالة بسرعة. مصادر دبلوماسية تحدثت عن “إشارات سلبية” ستنعكس على نظرة المانحين، خصوصاً أن الهجوم طاول ركنين أساسيين في أي إصلاح اقتصادي: المصرف المركزي والقضاء.
بهذا المعنى، لم يكن كلام الشيخ قاسم مجرد موقف داخلي، بل صفارة إنذار تعيد إلى الواجهة المخاوف القديمة: أن أي إصلاح جدي في لبنان لا يمكن أن ينجو من حسابات السياسة والطائفية.
النتيجة الفعلية لهذا السجال، عودة الإصلاح المالي إلى المربع الأول. فأي جهة دولية ستتردد في دعم خطة حكومية وسط مناخ تهديدات وتخوين، وأي مسؤول لبناني سيخشى أن يتحول قرار إداري أو قضائي إلى سبب لحرب بيانات مفتوحة، او هز للسلم والاستقرار الاهلي.
عليه فان ما قاله الشيخ نعيم قاسم، لم يكن مجرد نقد لمسؤولين، بل إعلان صريح عن حدود اللعبة في لبنان: القضاء والمصرف ليسا “مقدّسين” إن مسّا بتوازن القوى،خلافا لقانون الانتخابات، والإصلاح ليس مسموحاً إذا أضعف المحميات السياسية.
منطق، وإن وفّر للحزب نقاطاً داخلية، في المدى القصير، الا انه يهدد في المدى الطويل بإسقاط آخر ما تبقّى من جسور الثقة بين لبنان والعالم.
ففي دولةٍ يتصارع فيها الجميع على من يملك قرار “الإنقاذ”، يظل الإصلاح الحقيقي أقرب إلى سرابٍ في صحراء السياسة اللبنانية …. والذهب المفقود في خزائن الوعود.







