ناجي الخوري
في لحظة مفصلية من عمر الأزمة اللبنانية، تبدو المصارف عالقة في منطقة رمادية قاتلة: مطرقة المودعين تضرب من “فوق”، وسندان الدولة يضغط من “تحت”، فيما النظام المالي بكل مؤسساته بات على حافة إعادة تشكيل جذرية.
فالسؤال اليوم لم يعد: من يتحمّل المسؤولية؟ بل أصبح: من يملك القدرة على كسر الحلقة أولاً وفتح نافذة حلول قبل الانهيار النهائي؟ في قلب هذه الإشكالية تقف أربعة أبعاد متشابكة: سياسية، إقتصادية، إقليمية ودبلوماسية، تحكم مسار الأزمة وتحدّد اتجاهاتها.
منذ اندلاع الأزمة في 2019، اصطدمت المصارف بجدار صلب: تآكل رساميلها، تبخر جزء كبير من الودائع لدى المصرف المركزي، واستحالة إعادة تكوين السيولة في ظل غياب أي خطة رسمية قابلة للتنفيذ.
من جهتهم تحول المودعون، من أصحاب حقوق إلى طرف في نزاع قاسٍ، بعد أن أصبح الوصول إلى أموالهم مرهوناً بسقوف وقيود وتعاميم متناقضة. أما الدولة، التي يُفترض أن تكون الحكم والضامن، فقد اختارت التموضع خلف ستار الخلافات السياسية، تاركة النزاع مفتوحاً بلا قواعد، ما سمح بتحول الأزمة إلى أزمة ثقة كبرى طالت القطاع المالي برمته.
في الواقع، تستند الأزمة إلى مجموعة معطيات بنيوية: عجز مالي متراكم، قطاع مصرفي متضخم قياساً إلى حجم الاقتصاد، مصرف مركزي استنزف احتياطاته، ومناخ سياسي مشحون يعيق ولادة أي خطة إصلاحية.
إلى ذلك، تضيف البيئة الإقليمية طبقة إضافية من الضبابية: صراعات مستمرة، توترات حدودية، وتجاذبات دولية حول مستقبل لبنان المالي. معطيات لم تترك مجالاً واسعاً للمناورة؛ فالمصارف تتحرك اليوم بين حدّين: حماية ما تبقّى من رساميل، وإدارة نزاع يومي مع مودعين يشكّلون في الأصل قاعدة وجودها.
واضح ان المصارف تواجه اليوم معادلة شبه مستحيلة: لا يمكنها إعادة الأموال لأنها غير موجودة فعلياً، ولا يمكنها إعلان الإفلاس خوفاً من انهيار شامل، ولا تستطيع الاستمرار بالمنطق الحالي دون تفاقم النزاعات. لذلك تلجأ إلى “إدارة الوقت”، عبر قيود مشددة وسياسات متخبطة مشوشة، محاولةً حماية الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي.
الدولة، من جهتها، تعتمد خطاباً مزدوجاً: تحميل المصارف مسؤولية الهدر والتمويل المفرط، مقابل الإصرار على تحمّل جزء بسيط من الخسائر، في محاولة سياسية لتجنّب غضب “الدولة العميقة”. خطاب لم يقدّم حلولاً، بل ساهم في تعميق الشرخ بين المودعين والقطاع المالي، محوّلاً الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية – اجتماعية – قضائية معقّدة.
أما المودعون، الطرف الأكثر ضعفاً والأكثر تشتتاً، فوجدوا أنفسهم أمام خيارات محدودة: انتظار وهمي، لجوء إلى القضاء، أو اعتماد أسلوب الضغط المباشر عبر التحركات الميدانية.
تشتت سمح لكل طرف في المنظومة بتفادي المواجهة المباشرة تحت شعار “ما خصني”.
غير أن أخطر ما تكشفه الأزمة هو انهيار الثقة: بين المواطن والمصرف، بين المصرف والدولة، وبين الدولة والمجتمع الدولي. فالمصارف التي كانت تُعدّ رمزاً للقدرة المالية أصبحت تُعامل كعقبة. والدولة التي يُفترض أن تقود مفاوضات التعافي أصبحت طرفاً متأخراً يكتفي بإطلاق الوعود. أما المجتمع الدولي، الذي يشترط إصلاحات جذرية، فيراقب بنفاد صبر أداءً سياسياً يسير عكس قواعد علم الاقتصاد.
هذا الانفجار في الثقة إنعكس مباشرة على قدرة لبنان على اجتذاب أي استثمارات جديدة، مفقدا الاقتصاد فرصة التعافي المنتظم، وخالقا بيئة لا يمكن فيها للمصارف العمل بشكل طبيعي أو للمودعين التخطيط لمستقبلهم.
إلى أين يتجه هذا المشهد؟
أمام هذا الانسداد، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات واقعية لما سيحدث في الأشهر أو السنوات المقبلة:
- السيناريو الأول: حل سياسي – مالي برعاية دولية:
وهو الأكثر منطقية، لكنه الأقل احتمالاً في المدى القصير. يقوم على اتفاق سياسي داخلي يتيح إقرار خطة تعافٍ شاملة تعيد توزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين، مع دور مباشر لصندوق النقد والدول الداعمة.
نجاح هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية صلبة وقدرة على الامتثال لشروط إصلاحية معقدة. - السيناريو الثاني: استمرار الإدارة اليومية للأزمة:
وهذا ما نعيشه حالياً. تبقى المصارف في وضع “الاستنفار البارد”، ويستمر المصرف المركزي بإصدار تعاميم ظرفية، وتواصل الدولة تقديم الوعود من دون أي تنفيذ حقيقي.
النتيجة: تآكل تدريجي للقطاع، مزيد من الخروج النقدي، وانهيار بطيء يعمّق الفقر ويزيد الاحتقان الاجتماعي. - السيناريو الثالث: انفجار مالي – اجتماعي جديد:
فإذا استمرت الضغوط بلا مخرج، وإذا وقع حدث خارجي أو داخلي مفاجئ، توتر أمني، قرار قضائي كبير، إفلاس مصرفي، قد ينفجر المشهد مجدداً. وهذا السيناريو، رغم خطورته، أصبح وارداً بفعل تراكمات السنوات الماضية وغياب أي إدارة فعلية للأزمة.
من يكسر الحلقة؟
ليس المودعون. وليست المصارف وحدها. ولا حتى الدولة بتركيبتها الحالية. الحلقة لا تُكسر إلا بقرار سياسي – مالي متكامل يعترف بالحقيقة: الخسائر موجودة، والزمن لا يعالج الأزمات المالية بل يفاقمها. فطالما لم تُتَّخذ خطوات جذرية لإعادة إطلاق الثقة، فإن لبنان سيبقى عالقاً بين المطرقة والسندان، بانتظار من يملك الجرأة ليبدأ بفكّ هذا الاشتباك التاريخي، قبل أن يتحوّل النظام المالي إلى أثر بعد عين.







