أخبار اقتصادية

حرب إيران تشل شرايين التجارة العالمية

حتى مع أولى بوادر وقف إطلاق النار، تبقى تبعات الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران ثقيلة على التجارة العالمية، في وقت تتكدس مئات السفن عند مضيق هرمز، وترتفع أسعار الوقود، ويزداد الحديث عن انسحاب أميركي تدريجي من أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

كشفت حلقة جديدة من بودكاست “ترامبونوميكس” على “بلومبرغ”، آثار الحرب على الملاحة الدولية، وكيف تسببت الأزمة في اختبار غير مسبوق لأسس التجارة، وسط قيود خانقة على المرور البحري في واحد من أكثر الممرات حيوية على الكوكب.

رسم كل من بريندان موراي، محرر التجارة العالمية في بلومبرغ، وبيتر مارتن، مراسل شؤون أفريقيا والشرق الأوسط، ملامح التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية المتصاعدة.

قال موراي، إن الأسواق ترى في هذه الأزمة ضربة مباشرة لقطاع الطاقة. فرغم تراجع النفط الخام عن ذروته الأخيرة، تشهد أسعار الديزل ووقود الطائرات قفزات حادة، ما يضغط على قطاعات النقل والشحن والطيران. وتستعد شركات الطيران لزيادة كبيرة في نفقاتها، بينما تواجه شركات الشحن خسائر أسبوعية بملايين الدولارات.

ويرى موراي أن العودة إلى الوضع الطبيعي قد تستغرق أشهراً، إذ ستحتاج السفن العالقة إلى وقت طويل لإعادة الانسياب عبر المضيق، ما يعني أن تأثير نقص الإمدادات سيظهر بعد أسابيع من الآن، حتى لو فتح الممر اليوم.

وتكشف الأزمة عن هوة واسعة بين أسعار النفط الخام وأسعار المنتجات المكررة، إذ ارتفعت الأخيرة بوتيرة أسرع بكثير، مدفوعةً بمخاوف حقيقية من نقص الوقود في الموانئ. ووصل الأمر إلى تحذير بعض المرافئ من نقص ديزل تشغيل السفن نفسها، ما يفاقم أزمة الشحن العالمية.

وتظهر تصريحات كبرى شركات الشحن الألمانية حجم الصدمة، إذ تقدر خسائرها ب 50 مليون دولار أسبوعياً. أما شركة الطيران الأميركية “دلتا إيرلاينز” فتتوقع فاتورة إضافية تصل إلى ملياري دولار نتيجة ارتفاع تكلفة وقود الطائرات.

واستخدم الخبراء تشبيه “الهواء في الأنبوب” لتفسير الوضع: حين يتوقف تدفق 135 سفينة يومياً عبر هرمز، فإن الأسواق لن تشعر بالنقص فوراً، بل بعد أربع إلى ست أسابيع، بينما يستغرق التعافي فترة أطول بكثير.

وتشير أحدث بيانات مؤشر “الخدمات اللوجستية”، الذي يقيس تكاليف النقل والتخزين والمخزون، إلى ارتفاع حاد في جميع مكوناته خلال مارس. كما أشار موراي إلى أن الطاقة الاستيعابية في السوق اليوم تبدو أضيق بكثير مما كانت عليه خلال جائحة كورونا، ما يهدد بارتفاع إضافي في تكاليف شحن السلع عالمياً إذا استمر التوتر.

أميركا وإيران لم يوقعا على اتفاقية حرية الملاحة الدولية

على مستوى الصورة الكبرى، أوضح مارتن أن الولايات المتحدة كانت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الضامن الأول لحرية الملاحة في مضيق هرمز وقناة السويس ومضيق ملقا وقناة بنما.

لكن مع حديث واشنطن عن أنها “لا تستطيع أن تكون شرطي العالم”، بدأت مخاوف واسعة تظهر في آسيا وأوروبا بشأن مستقبل هذا الدور، خاصة أن الاقتصاد العالمي يعتمد بالكامل على هذه الممرات البحرية.

ورغم أن الولايات المتحدة لم تصادق رسمياً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار – تماماً مثل إيران – فإنها كانت تطبقها فعلياً لعقود.

تزداد الإشارات إلى رغبة إيران في لعب دور مباشر في تنظيم المرور عبر هرمز، سواء عبر فرض رسوم أو عبر إجراءات انتقائية تحدد “من يمر ومن لا يمر”. وتشير تقارير إلى أن مفاوضات جرت مؤخراً بشأن مدفوعات بالعملات المشفرة لجهات عسكرية إيرانية مقابل السماح بالعبور.

ويبدو أن طهران تسعى إلى إضفاء طابع رسمي على هذه الآلية، في خطوة تمنحها مكاسب اقتصادية، وأخرى سياسية أهم تتمثل في إبقاء المضيق ورقة “تهديد بالإغلاق” حاضرة دائماً.

شركات الشحن تنتظر التعليمات

أشار موراي إلى أن شركات الشحن تتحرك اليوم بحذر بالغ، ولا تتخذ أي خطوة إلا بعد التشاور مع الجانبين الأميركي والإيراني. وتخشى الشركات من أن تبدأ إيران بفحص بيانات السفن وحمولاتها وتاريخها التجاري وعلاقاتها السابقة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل قبل السماح لها بالمرور.

ومع امتلاك الصين جزءاً ضخماً من الأسطول العالمي، قد تمنحها إيران أولوية العبور، بينما تؤجل السفن الأوروبية — وهي خطوة ستزيد من الكلفة وعدم اليقين في سوق الشحن.

في الوقت نفسه، أصبحت شركات التأمين لاعباً مركزياً في تحديد من يمر ومن لا يمر. فمجرد تصنيف منطقة بأنها “غير آمنة” يعني منع السفن من الإبحار خلالها، وإضافة رسوم تأمين ضخمة على البضائع.

وتشير التوقعات إلى أن هذه التكاليف لن تنخفض قريباً، خاصة مع استمرار إيران في التأكيد على أن المرور مسموح فقط بالتنسيق مع القوات العسكرية الإيرانية، وهي صياغة لا تطمئن شركات الملاحة العالمية.

في وسط هذه التطورات يعيد العالم حساباته، من أزمة الوقود إلى تضخم تكاليف التأمين، ومن الشحن البحري إلى تراجع دور الضامن الأميركي، تعاد اليوم كتابة قواعد التجارة العالمية على وقع الحرب.

فقد أثبت مضيق هرمز أنه نقطة ضغط قادرة على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ودفع الشركات نحو نموذج يعتمد على المرونة وتعدد المسارات، بعد عقود من البحث عن الكفاءة فقط.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *