أخبار خاصة

ضرائب الإنقاذ أم صدمة الانكماش؟

ناجي الخوري

في لحظة مالية دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الاجتماعية مع الاستحقاقات الإصلاحية، جاء قرار الحكومة رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% وزيادة سعر البنزين بنحو 300 ألف ليرة ليعيد فتح النقاش حول أولويات السياسة الاقتصادية: هل الهدف إنقاذ المالية العامة بأي ثمن؟ أم إعادة بناء الثقة عبر إجراءات موجعة لكنها ضرورية؟ أم أن المسألة تتجاوز الحسابات الرقمية إلى إعادة تموضع سياسي – مالي في ظل مسار تفاوضي مع صندوق النقد الدولي؟

في جوهره، لا يصنف القرار كمسالة تقنية بحتة، بل يحمل أبعاداً مالية واضحة، عاكسا خياراً سياسياً بالانتقال من مرحلة إدارة الانهيار إلى محاولة ضبطه. فالخزينة العامة تعاني من فجوة مزمنة بين الإيرادات والنفقات، فيما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن بفعل تضخم مستمر وانكماش اقتصادي ممتد، وفي ظل محدودية الخيارات، بعد استنزاف أدوات الاستدانة التقليدية وتراجع القدرة على التمويل عبر المصرف المركزي، تبدو الضرائب غير المباشرة الخيار الأسرع والأكثر قابلية للتطبيق.

قد يبدو رفع الـTVA بنسبة 1%، خطوة محدودة على الورق، لكنه في اقتصاد يعاني من ضعف الثقة وانكماش الطلب يشكل إشارة حساسة، اذ تطال هذه الضريبة الاستهلاك مباشرة، أي أنها تمسّ كل حلقة من حلقات الدورة الاقتصادية: من المستورد إلى التاجر إلى المستهلك النهائي. ومع اتساع الاقتصاد النقدي وخروج جزء كبير من النشاط من الإطار المنظم، تعوّل الحكومة على أن تبقى القاعدة الخاضعة للضريبة كافية لتأمين إيرادات إضافية تعزز قدرتها على تغطية الرواتب والخدمات الأساسية.

أما زيادة البنزين، فهي قرار ذو أثر متشعب، حيث لم تعد المحروقات مجرد سلعة استهلاكية، بل عنصر أساسي في كلفة النقل والإنتاج والخدمات. فأي ارتفاع في سعرها ينعكس فوراً على أسعار السلع الأساسية، ما يعني انتقالاً سريعاً للزيادة إلى التضخم العام. اكيد ان الحكومة تدرك ذلك، لكنها، على ما يبدو، تراهن على أن الطلب على المحروقات غير مرن في المدى القصير، ما يضمن تدفقاً مالياً سريعاً إلى الخزينة.

هنا يطرح السؤال المركزي: هل تسعى الحكومة فقط إلى تحسين إيراداتها، أم إلى توجيه رسالة أوسع؟ في سياق التفاوض مع الجهات الدولية، ولا سيما صندوق النقد، تُعتبر زيادة الإيرادات المحلية مؤشراً على جدية الإصلاح. فالصندوق يشدد عادة على ضرورة توسيع القاعدة الضريبية وتقليص العجز قبل أي برنامج تمويلي واسع. من هذا المنطلق، قد يُقرأ القرار كخطوة استباقية لإثبات الالتزام بالمسار الإصلاحي، حتى لو كان الثمن داخلياً مرتفعاً.

لكن في المقابل، لا يمكن إغفال المخاطر. فالاقتصاد اللبناني لا يزال في مرحلة هشّة، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط على تحويلات خارجية واستهلاك محدود، وبالتالي أي ضغط إضافي على الطلب قد يؤدي إلى مزيد من التباطؤ، خصوصاً في القطاعات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني أصلاً من تراجع المبيعات وارتفاع الكلفة التشغيلية. كما أن الأثر التضخمي المزدوج، من الضريبة ومن البنزين، قد يخلق موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، ولو بنسب متفاوتة.

الى ذلك لا يقل الجانب الاجتماعي أهمية عن الحسابات المالية. فالضرائب غير المباشرة بطبيعتها لا تميز بين شرائح الدخل، ما يجعل أثرها النسبي أكبر على ذوي الدخل المحدود، اذ في غياب شبكة أمان اجتماعي فعّالة أو دعم مباشر للفئات الأكثر تضرراً، قد تتحول الإجراءات المالية إلى عامل توتر اجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات العامة.

من هنا، تبدو الخطوة أشبه بمفترق طرق: إما أن تشكل بداية مسار إصلاحي متكامل يشمل ضبط الإنفاق، تحسين الجباية، مكافحة التهرب، وإعادة هيكلة القطاعات الخاسرة؛ أو أن تبقى إجراءً مالياً معزولاً يخفف الضغط عن الخزينة مؤقتاً لكنه يرهق الاقتصاد دون معالجة جذور الأزمة.

عليه فان المقدمة لهذه المرحلة الاقتصادية لا تُختصر بنسبة مئوية مضافة إلى ضريبة أو برقم يُضاف إلى صفيحة البنزين، بل بسؤال أعمق: هل نحن أمام سياسة إنقاذ متكاملة، أم أمام محاولة كسب وقت في سباق مع العجز والتضخم؟

الإجابة لن تتضح فقط من خلال حجم الإيرادات المحققة، بل من خلال قدرة الحكومة على تحويل هذه الخطوات إلى جزء من رؤية شاملة تعيد التوازن بين الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي، وتعيد، قبل أي شيء، بناء الثقة المفقودة بين الدولة ومواطنيها.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *