ناجي الخوري
في لحظة مالية تُعدّ الأخطر منذ نشوء الكيان اللبناني، يعود القطاع المصرفي إلى واجهة السجال الوطني عبر بيان عالي النبرة، وجّه إلى مجلس إدارة جمعية المصارف في لبنان، عكس بوضوح حجم القلق، كاشفا عمق المأزق الذي وصلت إليه العلاقة بين المصارف من جهة، والدولة ومصرف لبنان من جهة أخرى.
بيانٌ لا يمكن قراءته بوصفه مجرد موقف تقني من مشروع قانون الفجوة المالية، بل كوثيقة سياسية – اقتصادية تحمل في طياتها محاولة إعادة رسم حدود المسؤوليات، وتثبيت سردية محددة للأزمة، في وقت بات فيه توزيع الخسائر العنوان الأكثر حساسية في النقاش العام.
كما انه أتى فيما يقف لبنان على مفترق طرق حاسم: إما الذهاب نحو معالجة جذرية ومنظمة لأكبر انهيار مالي في تاريخه الحديث، أو الاستمرار في سياسة التدوير والمماطلة التي حوّلت الخسائر من أرقام محاسبية إلى واقع معيشي قاسٍ يرزح تحته المودعون والاقتصاد الحقيقي على حد سواء.
من هنا، تبرز أهمية هذا الموقف المصرفي، ليس فقط بما يقوله صراحة، بل بما يحاول تفاديه أو القفز فوقه ضمنيًا.
واضح أن البيان، وفقا للمطلعين على الكواليس، استند إلى ثلاثية كلاسيكية شكّلت، تاريخيًا، العمود الفقري للنموذج الاقتصادي اللبناني: حماية الملكية الخاصة، صون الاقتصاد الحر، واحترام موجبات التعاقد. وهي مبادئ لا خلاف على دستوريتها ولا على دورها في جذب الرساميل وترسيخ الثقة لعقود طويلة. غير أن استحضارها اليوم، بعد خمس سنوات على الانهيار، يثير تساؤلات جوهرية حول السياق الذي تُستخدم فيه، وحول ما إذا كانت تُطرح كمرتكز لإصلاح حقيقي، أم كخط دفاع أخير في مواجهة أي محاولة لإعادة توزيع الخسائر بشكل يطال رساميل المصارف ومساهميها.
فالبيان، في جوهره، يعكس خشية المصارف من أن يشكّل مشروع قانون الفجوة المالية نقطة تحوّل في مقاربة الدولة للأزمة، عبر الانتقال من سياسة الإنكار والترحيل، إلى محاولة تحميل القطاع المصرفي جزءًا من كلفة الانهيار، حيث يبدو الاعتراض المصرفي على بعض بنود المشروع تعبيرًا عن صراع عميق حول من يتحمّل فاتورة سنوات من السياسات المالية والنقدية الخاطئة، وحول حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية لكل طرف.
في هذا السياق، يبرز بوضوح سعي المصارف إلى إعادة توجيه بوصلة الاتهام نحو الدولة ومصرف لبنان، بوصفهما المسؤولين الأساسيين عن الفجوة المالية، وعن تبديد الودائع عبر سياسات الدين العام والهندسات المالية.
مقاربة تحمل قدرًا من الصحة، لكنها تبقى منقوصة ما لم تُرفق باعتراف صريح بدور المصارف نفسها في تغذية هذا المسار، سواء عبر الإفراط في توظيف الودائع في أدوات عالية المخاطر، أو عبر القبول الضمني بنموذج غير مستدام، قائم على الريع والعجز والتوسع النقدي.
كما أن تشديد البيان على “المسؤولية الائتمانية للمصارف تجاه المودعين” يطرح إشكالية إضافية، في ظل واقع مصرفي لم يعد فيه هذا الالتزام سوى عنوان نظري. فالمودعون، الذين يُفترض أنهم الركيزة الأساسية لاستمرارية القطاع، ما زالوا محرومين من أبسط حقوقهم، بين قيود استنسابية على السحوبات، فروقات صارخة في المعاملة، وتآكل شبه كامل للقيمة الفعلية لودائعهم.
عليه، يصبح السؤال المشروع: هل يهدف هذا الخطاب إلى حماية المودعين فعلًا، أم إلى توظيفهم كورقة ضغط في مواجهة الدولة والسلطة التشريعية؟
أكيد انه لا يمكن فصل هذا البيان عن توقيته السياسي والاقتصادي الدقيق، وفقا لما يجمع عليه الخبراء. فالدعوة إلى تحرّك جمعية المصارف، وإلى انعقاد الهيئة العامة، توحي بأن القطاع المصرفي يستشعر خطر تشتت مواقفه الداخلية، في مرحلة تتطلب توحيد الجبهة التفاوضية.
كما تعكس، من جهة أخرى، رغبة واضحة في رفع منسوب الضغط قبل دخول مشروع قانون الفجوة المالية مساره التشريعي، في محاولة لتعديل مساره أو تفريغه من مضمونه.
بذلك، يشكّل هذا البيان محطة مفصلية في مسار النقاش حول مستقبل النظام المالي اللبناني. فهو لا يعبّر فقط عن موقف تقني من قانون قيد الدرس، بل عن صراع أعمق على شكل الاقتصاد اللبناني بعد الانهيار: هل يبقى أسير النموذج نفسه، مع تحميل الخسائر للمجتمع والدولة، أم يتجه نحو إعادة هيكلة حقيقية تعيد تعريف دور المصارف، وحدود الملكية الخاصة، ومفهوم العدالة بين المودعين والمساهمين؟
سؤال محوري، يجعل من هذا البيان أكثر من مجرد وثيقة احتجاج، بل عنوانًا لمرحلة شديدة التعقيد، لم تعد تحتمل الخطاب الدفاعي وحده، بقدر ما تحتاج إلى مقاربة شجاعة تعترف بالأخطاء وتفتح باب الحلول.







