ناجي الخوري
ليس مبالغة القول إن الاقتصاد العالمي يمرّ يوميًا عبر ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومترًا. في هذا الشريط البحري الضيق، الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان، تعبر ناقلات تحمل ما يقارب خُمس ما يستهلكه العالم من النفط يوميًا. إنّه مضيق هرمز، الذي تحوّل منذ سبعينيات القرن الماضي إلى “عنق زجاجة” حقيقي لسوق الطاقة الدولية، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، وتتحول الملاحة إلى معادلة أمن قومي عالمي.
بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، بلغ متوسط تدفق النفط عبر المضيق في عام 2025 نحو 20 إلى 21 مليون برميل يوميًا بين نفط خام ومكثفات ومشتقات بترولية. وإذا وضعنا هذا الرقم في سياق الاستهلاك العالمي الذي يناهز 100 إلى 102 مليون برميل يوميًا، يتبيّن أن ما يقارب 20% من استهلاك العالم يعبر من هذا الممر وحده.
أما من حيث التجارة البحرية تحديدًا، فإن نسبة ما يمر عبره ترتفع إلى نحو 27–30% من إجمالي النفط المنقول بحرًا حول العالم، ما يعكس حساسية السوق لأي اضطراب ولو محدود.
دور استراتيجي للمضيق لا يقتصر على النفط الخام فحسب، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي المسال. فدولة قطر، إحدى أكبر مصدّري الغاز المسال عالميًا، تعتمد بالكامل تقريبًا على المرور عبر هرمز لتصدير أكثر من 75 مليون طن سنويًا من الغاز المسال إلى آسيا وأوروبا. هذا يعني أن أي خلل في حركة الملاحة لا يهدد فقط أسعار النفط، بل يطال أسواق الكهرباء والصناعة في الاقتصادات الكبرى، خصوصًا في اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على إمدادات الخليج.
أهمية استثنائية تتعاظم إذا نظرنا إلى تركيبة الدول المصدّرة التي تعتمد عليه:
- السعودية، أكبر مصدر للنفط عالميًا، تصدّر جزءًا أساسيًا من إنتاجها عبر الخليج، رغم امتلاكها خط أنابيب “شرق – غرب” الذي ينقل نحو 5 ملايين برميل يوميًا إلى البحر الأحمر.
- العراق، الذي يضخ أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا، يعتمد بشكل شبه كامل على موانئ البصرة المطلة على الخليج.
- الكويت والإمارات وقطر، وكلها اقتصادات ريعية تعتمد موازناتها العامة على استمرار تدفق الصادرات دون انقطاع.
عمليًا، فإن أي تعطيل طويل الأمد سيؤدي إلى فجوة في المعروض العالمي يصعب تعويضها سريعًا، حتى مع السحب من الاحتياطات الاستراتيجية في الولايات المتحدة أو الصين.
من الناحية السعرية، أظهرت التجارب السابقة أنه في فترات التوتر الإقليمي، كانت الأسعار ترتفع بين 10% و20% خلال أيام قليلة، حتى من دون حدوث إغلاق فعلي. وإذا افترضنا سيناريو تعطّل جزئي يخفّض التدفقات بنسبة 20–30%، فإن السوق قد يفقد ما بين 4 و6 ملايين برميل يوميًا، وهو رقم يتجاوز الطاقة الاحتياطية الفورية المتاحة لدى معظم المنتجين خارج الخليج.
في مثل هذه الحالة، يمكن أن تقفز الأسعار إلى ما فوق 120 دولارًا للبرميل وفق تقديرات عدد من بيوت الخبرة، مع انعكاسات تضخمية عالمية مباشرة.
أما سيناريو الإغلاق الكامل، رغم انخفاض احتماليته سياسيًا وعسكريًا، فيعني نظريًا خروج نحو 20 مليون برميل يوميًا من التداول. هذا الحجم يعادل تقريبًا مجموع إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري قبل عقد واحد، ويوازي أضعاف ما يمكن تعويضه عبر خطوط الأنابيب البديلة في السعودية أو الإمارات.
اقتصاديًا، سيؤدي ذلك إلى صدمة عرض شبيهة أو أشد من صدمات السبعينيات، مع ارتفاع حاد في أسعار الوقود والنقل، وتراجع في النمو العالمي قد يصل إلى خصم 1–2% من الناتج الإجمالي العالمي خلال عام واحد فقط، وفق نماذج صندوق النقد الدولي في حالات صدمات الطاقة الكبرى.
اما في البعد الجيوسياسي، يشكّل المضيق نقطة تقاطع مصالح قوى كبرى. الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري دائم في الخليج لضمان “حرية الملاحة”، بينما تُعدّ الصين أكبر مستورد للنفط الخليجي، إذ تعتمد على المنطقة لتغطية أكثر من 40% من وارداتها النفطية. فالهند واليابان وكوريا الجنوبية أيضًا ترتبط أمنها الطاقوي مباشرة باستقرار هذا الممر. تشابك يجعل أي خطوة لإغلاقه أو تهديده ليست مسألة إقليمية فحسب، بل قضية أمن اقتصادي عالمي.
عليه، يمكن القول إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل هو عقدة استراتيجية في شبكة العولمة الطاقوية. فكل برميل يعبره لا يحمل فقط وقودًا، بل يختزن في داخله استقرار أسعار الغذاء والنقل والصناعة حول العالم، فضيق الجغرافيا هنا يقابله اتساع التأثير: فبين ضفتي هذا الشريط المائي، تتحدد يوميًا معادلة العرض والطلب، وتُرسم حدود الاستقرار أو الاضطراب في الاقتصاد العالمي.
لذلك، سيبقى مضيق هرمز، بالأرقام والوقائع، عنق زجاجة نفط العالم، وأحد أكثر النقاط حساسية في الجغرافيا السياسية المعاصرة.







