أخبار اقتصادية

شيكات الكاش: اقتصاد بلا مصارف

ناجي الخوري

تشهد الساحة الاقتصادية والمالية في لبنان تحوّلًا لافتًا في أنماط الدفع والتعاملات، مع الارتفاع المتسارع في نسبة ما يُعرف بـ”شيكات الكاش”،خلال الفترة الاخيرة، والتي باتت تُستخدم على نطاق واسع في الصفقات التجارية والعقارية وحتى في التعاملات بين الأفراد.

هذا المشهد، الذي كان يُعدّ استثناءً قبل سنوات قليلة، تحوّل اليوم إلى قاعدة غير مكتوبة في اقتصاد مأزوم فقد أبسط مقومات الثقة بالنظام المصرفي، اذ بعد أكثر من خمس سنوات على الانهيار المالي، لم يعد الشيك المصرفي أداة ضمان، ولا الحساب البنكي مساحة أمان، بل أصبح النقد هو الملك، وكل ما يقترب منه يُكتسب قيمة مضاعفة.

يعود الانتشار الواسع لشيكات الكاش إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها، انعدام الثقة شبه الكامل بالنظام المصرفي، بعد سنوات من القيود غير القانونية على السحوبات والتحويلات، وغياب أي أفق واضح لاستعادة الودائع، حيث بات الشيك المصرفي العادي أداة ضعيفة القيمة، لا يضمن لحامله سوى الدخول في دوامة تفاوض مع المصرف أو القبول بحسم كبير على قيمته.

إلى جانب ذلك، أدّى شحّ السيولة النقدية الكبيرة، خصوصًا بالدولار الأميركي، إلى جعل شيكات الكاش وسيلة بديلة لتسوية الصفقات الكبرى، إذ تُستعمل “كوعد نقدي فوري” أكثر منه أداة مصرفية تقليدية، حيث التاجر أو صاحب العقار يفضّل شيك كاش مسحوبًا على حساب مموّل نقدًا، على شيك عادي قد يُرفض أو يُجمّد.

اقتصاديًا، تعكس شيكات الكاش حالة “نصف مصرفية” خطيرة. فهي ليست نقدًا كامل السيولة، وليست أداة مصرفية آمنة، بل تقع في منطقة رمادية تزيد من هشاشة الدورة المالية. فارتفاع استخدامها يعني عمليًا تقلّص دور المصارف في الوساطة المالية، وتحويلها إلى مجرّد صناديق إصدار شيكات مقابل كاش، من دون أي وظيفة تمويلية حقيقية.

هذا الواقع يضرب في الصميم قدرة الدولة على إدارة السياسة النقدية. فكلما توسّعت التعاملات خارج النقد المباشر وخارج الحسابات المصرفية النشطة، تراجعت فعالية أدوات مصرف لبنان في ضبط التضخم أو مراقبة حركة الأموال. يُضاف إلى ذلك أنّ شيكات الكاش تسهّل التهرّب الضريبي، لأن جزءًا كبيرًا من هذه العمليات لا يُسجّل بشكل شفاف، ولا يمرّ عبر فواتير نظامية.

اما من زاوية مصرفية، يشكّل انتشار شيكات الكاش اعترافًا ضمنيًا بفشل النموذج المصرفي الحالي. فالمصرف الذي يفترض أن يكون ضامنًا للقيمة، بات مجرّد وسيط تقني، ما أضعف ما تبقّى من ثقة محلية وخارجية بالقطاع، وعقد أي محاولة مستقبلية لإعادة رسملته أو دمجه ضمن خطة تعافٍ شاملة.

الأخطر أن هذا الواقع يخلق سوقًا موازية لتسعير الشيكات، حيث تُحتسب قيمتها بناءً على سمعة المصرف، وسقف السحوبات، وقدرته الفعلية على الدفع النقدي. هنا يتحوّل الشيك من أداة قانونية موحّدة، إلى سلعة تُسعّر في السوق، ما يضرب مبدأ العدالة بين المودعين والمتعاملين.

ولكن ما هي تداعيات كل ذلك المستقبلية؟

يجمع الخبراء الماليون، على ان استمرار تصاعد نسبة شيكات الكاش من دون أي تدخل إصلاحي، يجعل لبنان متجها نحو تكريس اقتصاد خارج المصارف بشكل شبه كامل، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الشفافية المالية، والإيرادات الضريبية، وقدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي. كما أنّ هذا المسار يُضعف أي مفاوضات مستقبلية مع الجهات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، الذي يشترط نظامًا ماليًا قابلًا للرصد والمحاسبة.

في المقابل، يمكن قراءة هذه الظاهرة كجرس إنذار أخير. فهي تؤكد أن السوق وجد حلولًا بديلة لغياب الدولة، لكن هذه الحلول مكلفة وخطرة على المدى المتوسط.

من هنا، المطلوب اليوم ليس فقط ضبط استخدام شيكات الكاش، بل إعادة بناء الثقة عبر تشريع عادل للكابيتال كونترول، وإطلاق خطة واضحة لإعادة هيكلة المصارف، وتوحيد سعر الصرف، وإعادة إدخال الكتلة النقدية إلى النظام المصرفي تدريجيًا.

في الخلاصة، ارتفاع نسبة شيكات الكاش في لبنان ليس تطورًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لانهيار الثقة والحوكمة المالية. وهو في الوقت نفسه عرض للأزمة وأداة تعايش معها. لكن استمرار هذا المسار يعني تثبيت اقتصاد هش، قائم على حلول مؤقتة، بدل معالجة الجذور. فمن دون إصلاحات جدّية، ستبقى شيكات الكاش عنوانًا لانكماش الدولة وتراجع دورها المالي، لا مجرد وسيلة دفع بديلة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *