أخبار خاصة

الذهب والفضة …. زواج متعة ام ماروني؟

ناجي الخوري

منذ آلاف السنين، والذهب والفضة يرقصان معاً رقصة لا تنتهي. تارةً بانسجام مذهل، وطورا بصراع لا يخلو من الغيرة والدراما. علاقة تجمع بين الثراء واللمعان، بين التنافس والحسد. إنها أشبه بزواجٍ طويل الأمد بين عاشقَين لا يستطيعان العيش معا، ولا من دون بعضهما. فهل هو زواج متعة قصير المدى تحكمه الشهوة السوقية؟ أم زواج ماروني أبدي لا انفصال فيه مهما تغيّرت الظروف؟

في المبدأ لا يعد الذهب مجرد معدن نفيس؛ إنه رمز للقوة، للثقة، وللسيادة المالية. في أوقات الأزمات، تهرع الناس إليه كما يهرع العطشان إلى الماء. هو “الملاذ الآمن” الذي يلمع في أحلك الليالي الاقتصادية. عندما تهتز الأسواق، يعلو بريقه أكثر، وعندما تنتعش، يختبئ في جيوب المستثمرين ككنزٍ احتياطي.سمعته لا تضاهى. البنوك المركزية تكدّسه في خزائنها كضمانة للاستقرار النقدي، والمستثمرون يرونه بوصلة النجاة من تقلبات العملات. إنه الملك المتوّج على عرش المعادن، لا ينازعه في الهيبة أحد… حتى الفضة.

أما الفضة، فهي دائماً في الظل. ليست أقلّ جمالاً، لكنها أكثر تواضعاً. تُستخدم في الصناعات، الإلكترونيات، الطاقة الشمسية، وحتى الطبّ. لكن رغم أهميتها العملية، تبقى أسيرة نظرة السوق إليها كـ”ذهب الفقراء”.
ومع ذلك، الفضة أكثر ديناميكية من الذهب. تتحرك بسرعة، تصعد بعنف وتهبط بعنف أكبر. المستثمرون المحترفون يصفونها بـ”المراهقة المالية”، متقلبة المزاج، يصعب التنبؤ بها، لكنها قادرة على تحقيق أرباح مذهلة لمن يعرف كيف يتعامل معها.

على مدى قرون، ربطت الأسواق بين المعدنين بنسبة ثابتة تقريباً. ماضيا، كانت النسبة بين سعر الأونصة الذهبية والفضية تدور حول 1 إلى 15. أي أن أونصة واحدة من الذهب تساوي 15 أونصة من الفضة. اليوم، باتت النسبة تتأرجح بين 70 و90، وقد تتجاوز المئة أحياناً.
هنا يظهر التوتر في العلاقة: كلما اتسعت الفجوة، شعر عشاق الفضة بالظلم، وكلما ضاقت، شعر الذهب بأنه يفقد مكانته. تماماً كزوجين يتبادلان الأدوار في السيطرة والتمرد.

في الأسواق، الذهب هو القائد، والفضة تتبعه كظلّه. فإذا ارتفع الذهب، نادراً ما تبقى الفضة في مكانها؛ لكنها عادة ما تصعد بوتيرة أسرع. وإذا انهار الذهب، تسقط الفضة سقوطاً مدوياً. السبب بسيط: الذهب يُشترى لحماية الثروة، بينما تُشترى الفضة للمضاربة.
لكن المفارقة أن الفضة كثيراً ما تسبق الذهب في الإشارات. عندما يبدأ الطلب الصناعي بالارتفاع أو عندما يشعر المستثمرون بأن الأسواق مبالغ في خوفها، تكون الفضة أول من يتحرك. إنها بمثابة “المؤشر العاطفي” للعلاقة، فإن ابتسمت، فاعلم أن الذهب سيبتسم قريباً.

العلاقة بين المعدنين ليست عاطفية فحسب؛ إنها اقتصادية بامتياز. يزدهر الذهب في أجواء الخوف، حين تتصاعد التوترات الجيوسياسية أو ترتفع معدلات التضخم. أما الفضة، فتفرح بالازدهار الصناعي، حين تدور عجلة الإنتاج ويزداد الطلب على الإلكترونيات والطاقة. لذلك، في الأوقات العادية، تكون الفضة أكثر حيوية لأنها ترتبط بالاقتصاد الحقيقي. أما في الأزمات، فتتراجع مكانتها لصالح الذهب الذي يهيمن كرمز للملاذ الآمن.

هو “زواج مصلحة”؛ كل طرف يستفيد من الآخر حين يناسبه الظرف. وعندما يتبدّل المزاج الاقتصادي، يبدّل كل منهما ولاءه دون خجل.

عليه، السؤال الذي يشغل المتابعين دائماً: من الأفضل للاستثمار؟ الذهب أم الفضة؟
الإجابة تعتمد على شخصية المستثمر. إن كنت تبحث عن الاستقرار والطمأنينة، فاذهب إلى الذهب؛ وإن كنت مغامراً تستهويك المخاطر والأرباح السريعة، فالفضة هي ملعبك.
لكن تذكر الحكمة تقول: “ما تحط كل بيضاتك في سلة واحدة”، ولا كل بريقك في معدن واحد. التوازن بين الاثنين يمنح محفظتك مرونة تحميها من “غدرات الزمان وسوقه”.

في الخلاصة، العلاقة بين الذهب والفضة ليست “زواج متعة” عابراً تحكمه لحظة شهوة مالية، ولا “زواج ماروني” مقدس لا انفصام فيه. إنها شيء بين الاثنين: علاقة واقعية تحكمها المصلحة، لكن فيها أيضاً شغف لا ينطفئ.

يعودان إلى بعضهما البعض، في لحظات الاضطراب، كحليفين قديمين يعرفان أن مصير أحدهما لا يكتمل إلا بوجود الآخر.
فالذهب من دون الفضة يفقد بعض سحره، والفضة من دون الذهب تفقد معناها. وفي عالم الاقتصاد، كما في الحب، بعض العلاقات قد لا تكون مثالية… لكنها خالدة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *