ناجي الخوري
في عالمٍ يعيش على وقع الأزمات المالية والتقلبات السياسية، يبدو أن قواعد اللعبة الاقتصادية بدأت تتبدّل، بدورها، جذريًا. فالدولار، الذي شكّل لعقود طويلة رمز الهيمنة الأميركية وركيزة النظام المالي العالمي، بدأ يفقد بريقه تدريجيًا أمام صعودٍ هائلٍ للذهب، الذي يعود اليوم إلى المشهد الدولي بوصفه العملة الحقيقية في زمن فقدان الثقة.
اليوم، ومع تجاوز أسعار الذهب حاجزًا تلو الآخر، تتصاعد التساؤلات: هل دخلنا مرحلة نهاية عصر الدولار؟ وهل نحن على أعتاب نظام مالي جديد تكون فيه الكلمة الأخيرة للمعدن الأصفر لا للأوراق الخضراء؟
ما يجري، حقيقة، ليس مجرد تذبذب في الأسواق، بل تحوّل هيكلي في التوازنات الاقتصادية العالمية، حيث تتراجع الثقة بالمال الورقي لمصلحة الثروة الحقيقية التي لا يمكن طباعتها أو تزويرها، حيث يشكل كل ارتفاع جديد في أسعار المعدن الاصفر،
إشارة إضافية، إلى ضعف الثقة بالنظام المالي الذي قاده الدولار لعقود، وكل تراجع في قيمة العملة الأميركية يثير موجات من القلق في الأسواق العالمية.
فالذهب اليوم لا ينافس الدولار في السعر، بل في الدور، مع تحوّله من أصلٍ استثماري إلى معيارٍ للثقة والاستقرار، في وقتٍ تتسابق فيه الدول والبنوك المركزية إلى زيادة احتياطاتها من الذهب وتقليص اعتمادها على العملة الأميركية.
مشهد جديد، تبدل معه السؤال، من كم يساوي الدولار بالذهب؟ ليصبح كم تبقّى للدولار قبل أن يخضع لقواعد الذهب؟
من هذه المعادلة تبدأ القصة، قصة تحوّل عالمي يعيد رسم موازين القوة بين الورق والمعدن، بين الثقة والوهم، وبين الهيمنة الأميركية وصعود النظام المالي المتعدد الأقطاب.
ولفهم اكبر لما تقدم لا بد من التوقف عند النقاط التالية:
- ما يجري اليوم ليس مجرد سباقٍ بين سعر الدولار وسعر الذهب، بل هو صراع على من يملك سلطة تحديد القيمة في الاقتصاد العالمي، فكل ارتفاعٍ جديد في سعر الذهب هو رسالة واضحة: العالم لم يعد يثق بالمال الورقي كما في السابق. وكل عملية شراء جديدة من البنوك المركزية هي تصويتٌ ضمني على انتهاء احتكار الدولار للقرار المالي.
- هذا التحول العالمي لم يبق حكرًا على الحكومات والبنوك المركزية، اذ ان آثاره امتدّت إلى حياة الناس اليومية. فالمواطن الذي ييمتلك ذهبًا، ولو بكميات بسيطة، يجد نفسه أكثر أمانًا من غيره، حيث المعدن الأصفر لا يفقد قيمته، بل يزداد مع الزمن. لهذا السبب، أصبح شراء الذهب اليوم نوعًا من الادخار الذكي، وملاذًا للأفراد في وجه انهيار العملات المحلية.
في لبنان مثلًا، لم تعد الناس تسأل عن سعر الدولار فقط، بل عن سعر الذهب أيضًا، لأن قيمته أصبحت مقياسًا للاستقرار الحقيقي. وفي مصر وتركيا والهند، باتت العائلات تعتبر اقتناء الذهب وسيلة توريث واستثمار أكثر من كونه زينة.
- في عالمٍ يشهد اضطرابات جيوسياسية واقتصادية متواصلة، لم يعد النظام المالي العالمي كما عرفناه. فبينما كانت واشنطن تتحكم لعقود في مسار التجارة وأسعار الفائدة العالمية، بدأت مراكز قوة جديدة بالظهور، من بكين إلى موسكو، ومن نيودلهي إلى أنقرة. هذه القوى الصاعدة تسعى إلى بناء نظام نقدي متعدد الأقطاب، يكون فيه الذهب هو المرجع الأساسي لا الدولار.
هل يعني كل ما تقدم ان عصر الدولار انتهى؟
انه السؤال الذي يشغل بال الخبراء والمحللين، لكن
الجواب ليس بسيطًا. فالدولار لا يزال عملة الاحتياط الأولى في العالم، وتُسعَّر به أغلب السلع الاستراتيجية كالنفط والغاز. لكنّ ما تغيّر هو الثقة المطلقة التي كان يتمتع بها. فالعالم لم يعد يرى في الدولار ضمانة دائمة، بل خيارًا من بين خيارات أخرى، في نظامٍ مالي جديدٍ يتجه تدريجيًا نحو التوازن بين الورق والمعدن.
بهذا المعنى، لا يكون الذهب عدوّ الدولار، بل منافسه الأخطر، منافسٌ لا يتحدث ولا يصدر قرارات، لكنه يفرض احترامه بقيمته الثابتة عبر الزمن.
قد لا يُعلن دفن الدولار في يومٍ محدد، ولن تُنكس الأعلام في واشنطن حين يفقد هيمنته، لكنّ العالم بدأ بالفعل يكتب شهادة وفاته الاقتصادية بصمت. فالمعدن الأصفر الذي كان يُختزن في الخزائن، خرج ليحكم الأسواق ويعيد التوازن إلى ميزان القوة المالية.
ذهب لا يتحدث، لكنه يقول كل شيء: يقول إن الثقة لا تُطبع، وإن القيمة لا تُفرض بالقوة.
وفي عالمٍ تتهاوى فيه العملات الورقية وتتصاعد فيه الأزمات، يبدو أن الدولار يعيش أيامه الأخيرة كملكٍ متوّج …. فيما الذهب، بصمته اللامع، بدأ يحكم اللعبة من جديد.







