أخبار خاصة

لهذه الاسباب …. تابع “يا لبناني” مسار الفائدة الاميركية

ناجي الخوري

في عالم تحكمه تدفقات المال قبل السياسة أحياناً، تبدو الفائدة الأميركية وكأنها المحرّك الخفي الذي يدير إيقاع الاقتصاد العالمي. فمن داخل أروقة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، تُتخذ قرارات قد تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية بين الدول، وتحدد اتجاهات الأسواق، وتؤثر حتى على تفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر خارج حدود الولايات المتحدة.

فحين يرفع الفيدرالي الفائدة أو يخفضها، لا يقتصر الأمر على الاقتصاد الأميركي، بل يمتد كأثر “الدومينو” ليطال الاقتصادات المرتبطة بالدولار، وفي مقدمتها الاقتصادات الهشّة أو المعتمدة على التدفقات الخارجية، مثل لبنان.

ببساطة الفائدة الأميركية، هي السعر الذي يُدفع مقابل استخدام المال بالدولار، لكنها عملياً أكثر من ذلك بكثير. إنها أداة لضبط التضخم داخل الولايات المتحدة، ووسيلة لإدارة النمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه عامل جذب أو طرد لرؤوس الأموال على مستوى العالم.

عندما ترتفع الفائدة، يصبح الاحتفاظ بالدولار أكثر جاذبية، فتتجه الأموال نحو السوق الأميركية بحثاً عن عوائد أعلى وأكثر أماناً. أما عندما تنخفض، فإن الأموال تبحث عن فرص في الأسواق الأخرى، بما فيها الأسواق الناشئة، حيث المخاطر أعلى لكن العوائد قد تكون مغرية.

هذا التوازن الدقيق بين الفائدة والسيولة العالمية يضع دولاً مثل لبنان في موقع شديد الحساسية. فلبنان ليس مجرد اقتصاد صغير يتأثر بالتحولات العالمية، بل هو اقتصاد “مُدولَر” إلى حد كبير، حيث يلعب الدولار دوراً مركزياً في التسعير، والادخار، وحتى في الثقة بالنظام المالي. من هنا، فإن أي تغيير في كلفة الدولار عالمياً ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني، سواء عبر سعر الصرف، أو عبر حركة التحويلات، أو عبر سلوك المودعين والمستثمرين.

تاريخياً، استفاد لبنان من فترات انخفاض الفائدة الأميركية، حيث كانت السيولة العالمية تتدفق بسهولة أكبر، وتزداد شهية المستثمرين للمخاطر، ما سمح بجذب الودائع وتمويل العجز. لكن الصورة تنقلب تماماً في فترات التشديد النقدي، حين ترتفع الفائدة، فتبدأ الأموال بالخروج من الأطراف نحو المركز، أي نحو الولايات المتحدة، ما يخلق ضغطاً مضاعفاً على الاقتصادات الضعيفة. في هذه اللحظات تحديداً، تظهر هشاشة النموذج اللبناني القائم على الاستدانة وجذب الودائع، لا على الإنتاج الحقيقي.

من هنا، لا يمكن فصل الفائدة الأميركية عن بعدها السياسي. فالدولار، بوصفه العملة الاحتياطية الأولى في العالم، يمنح الولايات المتحدة نفوذاً استثنائياً، يجعل من قراراتها النقدية أدوات تأثير غير مباشرة على دول أخرى. فرفع الفائدة قد يساهم في خفض التضخم داخلياً، لكنه في الوقت نفسه قد يضغط على عملات دول أخرى، ويرفع كلفة ديونها، ويؤدي إلى تباطؤ نموها. بهذا المعنى، تصبح الفائدة جزءاً من منظومة أوسع تشمل العقوبات، والسياسات المالية، وحتى التوازنات الجيوسياسية.

بالنسبة للبنان، تأتي أهمية الفائدة الأميركية من كونه في قلب أزمة مالية ونقدية عميقة، حيث فقدت العملة المحلية جزءاً كبيراً من قيمتها، وتراجعت الثقة بالنظام المصرفي، وأصبح الاقتصاد يعتمد بشكل متزايد على التدفقات الخارجية، سواء عبر التحويلات أو المساعدات.

في ظل هذا الواقع، يتحول أي تغيير في الفائدة الأميركية إلى عامل حاسم قد يزيد الضغوط أو يخففها، تبعاً لاتجاهه. فارتفاع الفائدة، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى تقليص التحويلات، وزيادة الطلب على الدولار، وتعقيد أي محاولة لإعادة هيكلة الدين أو جذب الاستثمارات.

عليه، لا يمكن النظر إلى الفائدة الأميركية كموضوع بعيد أو تقني بالنسبة للبنان، بل كعامل يومي يدخل في صلب معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فهي ليست مجرد قرار يُتخذ في واشنطن، بل متغير أساسي يحدد إلى حد بعيد مسار الأزمة اللبنانية، وإمكانيات الخروج منها.

ففي عالم مترابط إلى هذا الحد، يصبح فهم هذه الديناميات ضرورة، ليس فقط للخبراء، بل لكل من يسعى إلى قراءة ما ينتظر لبنان في المرحلة المقبلة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *