ناجي الخوري
في بلدٍ أرهقته الفضائح المالية وتآكلت فيه الثقة بكل مؤسسات الدولة، خرج حاكم مصرفه المركزي بخطوة اعتبرها المتفائلون بأنها الأكثر جرأة منذ الانهيار المالي في تشرين 2019: فتح “صندوق الدعم الأسود”.
فبعد سنوات من الصمت والغموض، أعلن سعيد عزمه إطلاق تدقيق مالي وجنائي خارجي، يشمل كل المستفيدين من برامج الدعم، والتحويلات إلى الخارج، والنفقات التي سُددت باسم الدولة في السنوات الخمس الماضية، أي في صلب المرحلة التي شهدت الانهيار المالي وتبخر الودائع وتهريب الدولارات.
الخطوة، التي جرى تنسيقها مع وزارتي المالية والعدل، تُعدّ سابقة في تاريخ المصرف المركزي، إذ تضع ملف “الدعم الملياري” تحت المجهر الجنائي، وتفتح الباب أمام مراجعة حسابات تلك المرحلة التي اختلط فيها الدعم بالفساد، والمصلحة العامة بالمنافع السياسية، والتجارة بالتهريب.
فاذا كان البعض يصف القرار بأنه محاولة “لترميم الثقة” و”تبييض صفحة المركزي”، يرى آخرون أنها قد تتحول إلى زلزال سياسي ومالي إذا ما قدر للتحقيقات ان تذهب إلى نهايتها، كاشفة المستفيدين الحقيقيين من مليارات الدعم التي أُنفقت باسم المواطن.
لكن السؤال الكبير الذي يتردد في الأوساط الاقتصادية والسياسية هو: هل يجرؤ كريم سعيد على الذهاب حتى النهاية؟ وهل سيُسمح فعلاً لهذا التدقيق أن يذهب إلى النهاية؟ فالتدقيق، وإن كان عنوانه تقنياً، إلا أن نتائجه قد تفتح مواجهة مباشرة مع منظومة متجذرة في مؤسسات الدولة، تمتد من غرف القرار إلى المصارف والتجار والوسطاء، نجحت في استنساخ نفسها في عهد وسلطة جديدين.
رحلة بسيطة في الذاكرة، تبين دون عناء ان التجارب السابقة ليست مشجعة. فمنذ عام 2020، والبلد يعيش مسلسل “التدقيق الجنائي” الذي انطلق مع “ألفاريز أند مارسال” قبل ان يتعثّر لأسباب قانونية، سياسية و”تقنية”. اليوم، يُعاد طرح الفكرة ولكن بتركيبة جديدة، ما يوحي بأن حاكم المصرف الجديد يسعى إلى فصل نفسه عن إرث الحاكمية السابقة، وإعادة التموضع كرمز للمحاسبة الشفافة.
ولكن لماذا الآن؟ أكيد أن توقيت الخطوة ليس تفصيلاً. فالمناخ الدولي لا يترك للبنان ترف التأجيل، تحديدا، المؤسسات المالية المانحة، وصندوق النقد الدولي، التي وضعت شرط الشفافية والمساءلة في صلب أي برنامج إنقاذ اقتصادي. هنا تحديدا يعتبر ملف الدعم من أكثر النقاط قتامة في الحسابات اللبنانية، حيث يقدّر بعض الخبراء أن نحو ١١ مليار دولار من أموال المودعين ذهبت هدراً أو تهريباً أو استفاد منها عدد محدود من المتنفذين والواصلين، من سياسيين، تجار، مصارف، أمنيين وعسكريين.
لذلك، قد يكون الهدف من هذه المبادرة إرسال إشارة إيجابية للمجتمع الدولي بأن لبنان “يتغيّر”، أو على الأقل يحاول، وان شكلا، تفكيك شبكات الفساد القديمة. فالكلام عن “التعاون الكامل بين مصرف لبنان والحكومة” يعكس محاولة لإظهار تناغم بين المؤسسات، بعدما عاش البلد لسنوات على إيقاع الصراع بين مصرف لبنان والسلطة التنفيذية.
المفارقة أن الحديث عن “دفتر شروط” لمشروع التدقيق يكشف أن العملية لا تزال في بدايتها، وأنها تحتاج إلى أشهر قبل أن تتضح الصورة. فالمهم ليس الإعلان بحد ذاته، بل مضمون دفتر الشروط: هل سيشمل التحقيق أسماء الشركات والأفراد المستفيدين؟ هل سيطال السياسيين الذين ربطوا شبكات الدعم بالولاءات الانتخابية؟ وهل ستكون هناك جرأة في النشر والشفافية في النتائج؟
اكيد ان الرهان كبير. فالتدقيق الحقيقي يعني عملياً كشف منظومة بأكملها: من وزارات وموظفين إلى مصارف وتجار، وأي خلل في هذه السلسلة، سيحوّل المشروع إلى مجرد عنوان جميل بلا مضمون.
من وجهة نظر اقتصادية، أي تدقيق مالي وجنائي شامل في ملف الدعم يحمل تأثيرات مزدوجة. فمن جهة، قد يُعيد بعض الثقة إلى القطاع المصرفي إذا أظهر جدية في كشف الفساد واسترداد الأموال، ومن جهة أخرى، قد يفتح الباب أمام صدامات قضائية وسياسية تطال رموزاً نافذة. مع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن جرأة الكشف هي السبيل الوحيد لاستعادة الثقة بالعملة وبالمصارف.
كما أن تحديد “المدفوعات غير المشروعة” و”تجاوز السلطة” كما ورد في بيان المصرف، يُعدّ تحولاً في الخطاب الرسمي، من تبرير الهدر إلى الاعتراف به ومحاولة تصحيحه. فالمصرف المركزي، الذي كان لعقود شريكاً في سياسات الدعم وتمويلها، يعلن اليوم أنه سيتعاون مع وزارتي المالية والعدل لإعداد نظام تدقيق خارجي مستقل، في مشهد أقرب إلى “الاعتراف المتأخر” منه إلى المبادرة التقنية.
في كل الاحوال، وبعيدا عن الترفع والفلسفة، لا يمكن فصل القرار عن المشهد السياسي. فحاكم المركزي، الذي يسعى إلى تثبيت صورته كوجه إصلاحي جديد، يدرك أن المعركة ليست مالية فقط، بل سياسية – قضائية – إعلامية، إذ أن أي كشف حقيقي في ملف الدعم سيطال طبقة سياسية واسعة، وقد يفتح باب المحاكمات أو الاستدعاءات القضائية. من هنا، سيحاول كل طرف أن يضع يده على مجريات التدقيق أو على الأقل يضمن “حصته” من القصة.
كما أن التنسيق مع وزارة العدل يشير إلى إدراك مسبق بأن أي نتائج للتدقيق يجب أن تتحول إلى إجراءات قانونية فعلية، لا مجرد تقارير تنتهي في الأدراج. وهو ما سيشكل الاختبار الأهم لهذه المبادرة: هل نحن أمام تحقيق للمحاسبة أم مجرد تحقيق للتاريخ؟
تبقى نقطة لافتة، وردت في ختام البيان، حيث شدد مصرف لبنان على أن التعاون مع الحكومة يشكّل “ركيزة أساسية لاستعادة الثقة العامة في النظام المصرفي”. وهي عبارة مفتاحية تختصر جوهر المرحلة: الثقة المفقودة. فلبنان يعيش منذ 2019 انهياراً غير مسبوق، حيث انهارت الليرة وتبخّرت الودائع وغابت الشفافية. وأي خطوة نحو كشف الحقائق، مهما كانت محدودة، قد تساهم في إعادة ترميم هذه الثقة تدريجياً.
مع ذلك، يبقى النجاح مرهوناً بالتنفيذ لا بالإعلان. فالمواطن اللبناني تعب من الوعود، والقطاع المالي لم يعد يحتمل مسكّنات، والطريق إلى الإصلاح يبدأ من مكان واحد: المساءلة الفعلية، ولو على حساب رموز السلطة القديمة.
في الخلاصة، يبدو أن مصرف لبنان يحاول اليوم أن يكتب فصلاً جديداً في تاريخه عبر مشروعه، في خطوة تجمع بين الرمزية والإلزامية. رمزية لأنها تمسّ جوهر الأزمة، أي سوء استخدام المال العام، وإلزامية، لأنها شرط دولي لأي برنامج إنقاذ.
فما بين الشفافية المطلوبة والسياسة المتربصة، يقف مصرف لبنان على مفترق حساس: فإما أن ينجح في فتح أول نافذة جدية للمحاسبة منذ 2019، أو أن يتحول التدقيق الجديد إلى نسخة منقّحة عن التدقيق السابق، كثيرة العناوين، قليلة النتائج.
وفي الحالتين، المشهد اللبناني أمام اختبار الشفافية الحقيقي، واللبنانيون، الذين سُلبت أموالهم باسم “الدعم”، ينتظرون أن يروا أخيراً من دعم من، ومن سرق من.
فمن سرق أموال الدعم؟ وكيف تلاعبت المنظومة بالمال العام تحت شعار حماية المستهلك والليرة؟
قد تعرفون الجواب والارجح لا، ف “يا خبر اليوم بفلوس وبكرا ببلاش ….”.







