أخبار خاصة

صيرفة …. من ملاذ رسمي إلى كمين ضريبي

ناجي الخوري

في لحظة مالية شديدة الحساسية، حيث يقف لبنان على تقاطع الانهيار المستمر ومحاولات ضبط ما تبقّى من النظام المالي، يأتي بيان وزارة المال المتعلق بعمليات منصة “صيرفة” ليطرح أسئلة أعمق بكثير من مسألة ضريبة استثنائية أو مهلة تصريحية.

فهذا الإعلان لا يمكن قراءته كإجراء إداري عابر، بل كمؤشر إضافي على طبيعة المقاربة المالية التي تعتمدها الدولة في إدارة إرث الانهيار النقدي، وعلى الكلفة التي يُراد تحميلها تدريجياً للأفراد بدل الاعتراف الصريح بمسؤولية السياسات العامة.

منذ إطلاق منصة “صيرفة”، جرى تقديمها كأداة “تقنية” تهدف إلى تنظيم سوق القطع، تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وضبط الكتلة النقدية المتفلتة. وقد شُجّع المواطنون، بشكل مباشر وغير مباشر، على التعامل معها باعتبارها قناة شرعية، محمية من المخاطر القانونية والضريبية، بل كخيار أقل كلفة مقارنة بالسوق السوداء.

في هذا السياق، لجأ آلاف الموظفين، والتجار، وأصحاب المهن الحرة، وحتى المؤسسات الصغيرة، إلى المنصة ليس بدافع المضاربة، بل كوسيلة اضطرارية للحفاظ على الحد الأدنى من القدرة الشرائية أو لتأمين حاجاتهم التشغيلية.

غير أن بيان وزارة المال، الذي يفرض التصريح وتسديد ضريبة استثنائية وغرامات على العمليات التي تجاوزت قيمتها 15 ألف دولار خلال السنوات 2021 و2022 و2023، يعيد رسم المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فهو يكرّس عملياً مبدأ المحاسبة بأثر رجعي، ويحوّل أداة رسمية اعتمدها مصرف لبنان في إدارة الأزمة إلى مادة تدقيق ضريبي وملاحقة جزائية محتملة. هنا، لا تعود المسألة مسألة أرقام أو نسب ضريبية، بل تتحول إلى قضية ثقة وهيكلية مالية.

ففي بلد انهارت فيه العملة، وتبخرت فيه الودائع، وتبدّلت فيه القواعد النقدية مرات عدة خلال سنوات قليلة، يمثّل الاستقرار التشريعي والضريبي أحد آخر مقومات أي تعافٍ محتمل. من هذا المنطلق، فإن إخضاع عمليات صيرفة، التي جرت في ظل غياب شبه كامل للتشريعات الواضحة، لمنطق الغرامة والعقاب، يعكس توجهاً مالياً قلقاً: البحث عن موارد سريعة للخزينة، ولو على حساب ما تبقّى من ثقة بين الدولة والمكلفين.

الأخطر في هذا المسار أنه يعمّق الانطباع السائد بأن الدولة تتعامل مع الأزمة بمنطق “التجزيء” لا بمنطق الحل الشامل. فبدلاً من مقاربة مالية متكاملة تعالج الفجوة المالية، وإعادة هيكلة الدين، وتوزيع الخسائر بعدالة، يجري اللجوء إلى إجراءات موضعية تستهدف شرائح محددة من المواطنين، غالباً الأضعف تمثيلاً والأكثر التزاماً بالقنوات الرسمية. وهذا ما يحوّل الامتثال الضريبي من واجب مدني إلى مخاطرة محتملة.

كما أن التهديد بإحالة غير الملتزمين إلى النيابة العامة المالية يضيف بُعداً ردعياً قد يحقق أثراً نفسياً فورياً، لكنه يحمل تداعيات سلبية على المدى المتوسط. فالرسالة الضمنية التي يتلقاها المواطن هي أن التعامل مع الدولة أو مصرفها المركزي لا يشكّل حماية قانونية، بل قد يتحول لاحقاً إلى عبء مالي وقضائي. هذا ما يدفع، بشكل شبه تلقائي، إلى تعزيز الاقتصاد النقدي الموازي، وتراجع التعامل مع أي منصات أو آليات رسمية مستقبلية، مهما كانت أهدافها المعلنة.

في المحصلة، يشكّل بيان وزارة المال محطة مفصلية في مسار إدارة الأزمة المالية. فهو يعكس ضيق الخيارات أمام الخزينة، ويكشف حدود السياسة الضريبية في ظل الانهيار، ويطرح تساؤلات جدية حول كلفة معالجة العجز عبر استهداف سلوكيات فرضتها الدولة نفسها في مرحلة سابقة. فبينما قد تحقق هذه الخطوة إيرادات محدودة على المدى القصير، فإن ثمنها الحقيقي يُقاس بما قد تسببه من تآكل إضافي في الثقة، وهي العملة الأندر في لبنان اليوم، والأصعب تعويضاً في أي مسار تعافٍ مالي مستقبلي.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *