ناجي الخوري
لا يمكن فهم استهداف الجسور على نهر الليطاني في الجنوب اللبناني بمعزل عن كونه تحوّلاً نوعياً في طبيعة الضربات، من استهداف عسكري مباشر إلى استهداف بنيوي للاقتصاد اللبناني.
فالجسر في الجغرافيا اللبنانية ليس مجرد منشأة عبور، بل هو عقدة حيوية تربط بين ثلاث دوائر متكاملة: الجنوب كمساحة إنتاج زراعي كثيف، والبقاع كخزان غذائي استراتيجي، وبيروت كمنصة استهلاك وتوزيع وتمويل. فتدمير هذه الجسور لا يقطع طريقاً فحسب، بل يفكك شبكة اقتصادية كاملة، ويعيد رسم الخريطة الاقتصادية للبنان بشكل قسري.
في الاقتصاد الزراعي تحديداً، تلعب الجغرافيا دوراً حاسماً في تحديد الكلفة والجدوى. فالمزارع في الجنوب يعتمد بشكل شبه كامل على القدرة على نقل إنتاجه بسرعة نحو الأسواق المركزية، سواء في بيروت أو للتصدير عبر المرافئ. ومع تدمير الجسور، تتحول هذه المعادلة إلى عبء قاتل: ترتفع كلفة النقل بشكل حاد، تتضاعف المسافات الزمنية، وتصبح سلاسل التبريد مهددة بالانقطاع، ما يؤدي إلى تلف نسبة كبيرة من الإنتاج قبل وصوله إلى السوق.
واقع لا ينعكس فقط على دخل المزارعين، بل يضرب أيضاً توازن العرض والطلب في الأسواق، ما يفتح الباب أمام موجات تضخم غذائي سريعة.
الأخطر من ذلك، أن الجنوب والبقاع يشكلان معاً العمود الفقري للإنتاج الغذائي المحلي. فعندما يتم فصل الجنوب عن البقاع، لا يعود بالإمكان الحديث عن تكامل زراعي، بل عن جزر إنتاجية معزولة، تفتقد القدرة على التبادل والتوازن. هذا التفكك يضرب مفهوم “الأمن الغذائي” من أساسه، لأن لبنان، الذي يعاني أصلاً من أزمة نقدية حادة، يصبح أكثر اعتماداً على الاستيراد بالدولار لتغطية النقص، في وقت تتآكل فيه قدرته على تأمين العملة الصعبة.
من زاوية الاقتصاد الكلي، يؤدي هذا النوع من الاستهداف إلى تعطيل ما يُعرف بسلاسل القيمة، أي المسار الكامل الذي يمر به المنتج من الحقل إلى المستهلك. فعندما تُكسر إحدى حلقات هذه السلسلة، كالنقل مثلاً، تتوقف بقية الحلقات تلقائياً: الإنتاج يتكدس، التخزين ينهار، التوزيع يتعطل، والأسواق تفقد توازنها. وهذا ما يفسر أن الجزء الأكبر من الخسائر في القطاع الزراعي لا يأتي من التدمير المباشر، بل من “الخسائر غير المباشرة” الناتجة عن التعطيل، والتي غالباً ما تكون أكثر كلفة واستدامة.
إلى جانب ذلك، ينعكس تدمير الجسور على قطاعات مرافقة للزراعة، مثل تربية المواشي والدواجن، التي تعتمد على تدفق يومي للمدخلات الأساسية كالأعلاف والأدوية. ومع تعطل الطرق، ترتفع كلفة هذه المدخلات أو تنقطع بالكامل، ما يؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات، وتراجع الإنتاج الحيواني بشكل حاد. هذا بدوره يخلق فجوة إضافية في السوق الغذائية، ويزيد الضغط على الأسعار وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.
هنا، لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي لهذه العملية. فالمزارع الذي يفقد القدرة على تسويق إنتاجه، أو الذي تتلف محاصيله بسبب تأخر النقل، يواجه خطر الخروج من الدورة الاقتصادية بالكامل. ومع تكرار هذه الصدمات، تتزايد احتمالات هجرة اليد العاملة الزراعية، وترك الأراضي، ما يهدد بتآكل تدريجي للقطاع الزراعي ككل. وهذا السيناريو ليس نظرياً، بل سبق أن شهد لبنان ملامح منه في أزمات سابقة، حيث أدت الصدمات المتكررة إلى انكماش الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الخارج.
في المحصلة، يمكن القول إن تدمير الجسور على الليطاني يتجاوز كونه إجراءً عسكرياً محدود الأثر، ليصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع الاقتصادي اللبناني. فهو يضرب في آن واحد: الإنتاج، النقل، الأسواق، والدخل، ويخلق حلقة مفرغة من الخسائر يصعب كسرها في ظل الإمكانيات المحدودة للدولة.
فمع استمرار هذا النمط من الاستهداف، يصبح السؤال المركزي ليس فقط حجم الخسائر الحالية، بل مدى قدرة الاقتصاد اللبناني على الصمود، وإلى أي حد يمكن أن يتحمل تفكك بنيته الداخلية قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل.







