أخبار خاصة

بلد يغرق في “فحص مي”

بقلم جوزاف وهبه
كما في “الساعة” ما بين الرئيسين نبيه برّي ونجيب ميقاتي، كذلك في “الماء” ماu بين الوزير الأصيل ركان ناصر الدين والوزير الوكيل نزار الهاني، يكاد يتشظّى البلد بين طوائف ومذاهب متأهّبة متناحرة في “معارك وجود” وهميّة (وربّما مصطنعة) أو في “حروب إلغاء” تذكّر بحرب الجنرال ميشال عون (ولو داخل الطائفة الواحدة) بحثاً عن أحاديّة المركز وأحاديّة القرار!..
لا نكفّ عن استيلاد الخلافات في شبق غير مفهوم، وبالتأكيد غير مبرّر.تارةً نتوجّه شرقاً في ادّعاء أنّ الخلاص قد يأتي من هناك، وطوراً نتطلّع غرباً علّ الترياق يصل إلينا على جناح السرعة من هنالك..وفي الحقيقة البائسة، نبقى ندور حول أنفسنا كرقصة الهنود الحمر على جمر النار وسط الكثير من العبث والصراخ، أو كالتصاق الفراشة بالضوء إلى حدّ الموت والفناء بالمجّان!..
“فحص مي” قد يكون روتينيّاً أو مدبّراً عن بُعد، أثار موجة من الكرّ والفرّ بين طائفتين بلغ ذروة البلاهة والجنون، في اصطفاف بين “التحريم والتحليل”: ناشطون “يحرّمون” شرب مياه تنّورين في معركة كربلائيّة سوداء، وناشطون بالمقابل “يحلّلون” نقاوة المياه (ولو ملوّثة بحكم العلم والمختبرات) في دفاع مستميت يطال قمم جبال الموارنة الأوائل، ويطال الأنهار والينابيع والوديان، كأنّها ملكيّة خاصّة، وليس منافع عامّة لكلّ مَن وُلِد وسكن وعاش في هذه المساحة من الأرض الصغيرة، والتي لا تتجاوز ال 10452 كلم مربّع، مع إضافات سوليدير وردميّات الدمار الإسرائيلي، وكلّ ما جنته وتجنيه أيدينا من “شرور” لا تنام، ولا تستكين..
كيف يمكن ل “تقديم أو تأخير” توقيت ساعة (أيّاً كانت الدوافع والحيثيّات) أن يستنفر سيّد بكركي بصولجانه المذهّب وردائه الأرجواني، كيف يمكن لإضاءة صخرة بيروتيّة المنشأ والهوى أن تستدعي مسيرات منتصرة هاتفة “شيعة شيعة”، كيف يمكن لنتيجة “فحص مي” أن تتوزّع نقاطها على “شيعيّة” وزير، وعلى “درزيّة” وزير آخر، وعلى ألسنة وتصاريح نوّاب من الطائفة “المسيحيّة”؟
في أيّ بلد نعيش؟ في أيّ كتب تاريخ وجغرافيا وتربية نقرأ؟ في أيّ زمن لا نزال نرزح، بالرغم من تملّكنا لأحدث تقنيّات التكنولوجيا، ودخولنا في معايير الذكاء الإصطناعي، واطّلاعنا على آخر صيحات الموضة والحداثة والإختراعات العابرة للقارات بسرعة الضوء والفرط صوتي والعملات الرقميّة، وما شابه من توغّل في تحدّيات الإنسان الآلي والروبوت والمجرّات وباطن الأرض؟..
كيف يمكن لنا أن ننتقل في يوم واحد، من سحر الإنترنت والإتّصالات والمسيّرات والجسور العائمة والأبراج التي تتسلّق الفضاء..إلى النزاع حتّى القتل والتخوين حول “فحص مي” لا يقدّم ولا يؤخّر في أيّ مسار من مسارات حياتنا اليوميّة، بحثاً عن لقمة العيش، أو قسط مدرسة، أو وظيفة في بلد تخرّج جامعاته، كلّ سنة، آلافاً من الشباب الباحثين أوّلاً عن “تيكيت سفر”، وثانياً وثالثاً عن فرصة عمل تحت مقصلة صندوق النقد الدولي الذي لا يكفّ عن المطالبة بتقليص تخمة القطاع العام الذي يُثقل على الخزينة والماليّة العامّة:كثرة موظّفين..وقلّة إنتاج؟..
نبرَع، بلا حياء ولا منازع، في كشف عوراتنا على الملأ.نعود إلى بدائيّتنا في لحظة واحدة.ننشر “أمعاءنا العفنة” على صفحات التواصل الإجتماعي.نقرع أجراس الكنائس، ونرفع آذان الجوامع، عند كلّ “حادثة عابرة”.نفتح حرب “داحس والغبراء” كلّما تهيّأ لنا أنّ أحداً (من الطرف الآخر..يشبهنا أو لا يشبهنا، كما نردّد) قد قتل (بسهم، أو عبارة، أو حفل فنّي، أو فحص مي) “ناقة البسوس” التي ماتت ودُفنت منذ أكثر من ألف سنة:من أين تأتينا كلّ هذه الجهالة، دفعة واحدة؟ كيف يمكن لنا أن نحوّل ربطات أعناقنا الأنيقة إلى سيوف مغمّسة بالدم والكره، بين ليلة وضحاها؟ كيف نُقنع أنفسنا على الدوام أنّنا على حقّ، أو أنّنا دائماً لمُنتصرون؟ ما هذا القدر اللعين الذي يُودي بنا إلى التهلكة بعيون مفتوحة، وإلى أغوار الحفرة بملء معاولنا ورفوشنا..وعصبيّتنا الهوجاء؟..
“القدر اللعين” يقودنا بلا هوادة إلى أسفل العالمين..والسؤال البسيط الغامض المقلق، إلى متى، يا بني قومي؟..

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *