أخبار اقتصادية

دافوس على وقع “أميركا أولاً” …. رسم خرائط الاقتصاد العالمي

ناجي الخوري

لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، هذه السنة، مجرد كلمة افتتاحية أمام نخبة المال والأعمال في العالم، إذ جاء أشبه بإعلان سياسي – اقتصادي يعكس ملامح مرحلة دولية مضطربة، تتداخل فيها اعتبارات الاقتصاد مع حسابات القوة والنفوذ والجغرافيا السياسية.

فدافوس، الذي اعتاد أن يكون منصة للدعوة إلى العولمة والتعاون متعدد الأطراف، تحوّل مع خطاب “ترامب ٢٠٢٦” إلى مسرح مكشوف لصدام الرؤى بين نموذج ليبرالي تقليدي يسعى إلى الاستقرار والانفتاح، ونموذج “سيادي – حمائي” يضع المصلحة القومية الأميركية في مرتبة تعلو على أي اعتبارات جماعية.

فقد جاء الخطاب في توقيت بالغ الحساسية للاقتصاد العالمي، وسط تباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات الكبرى، استمرار الضغوط التضخمية، اضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد القلق من تحوّل الصراعات الجيوسياسية إلى حروب اقتصادية وتجارية مفتوحة، حيث بدا ترامب حريصاً على تقديم الولايات المتحدة بوصفها “الاستثناء الإيجابي” في عالم مأزوم، مؤكداً أن الاقتصاد الأميركي يستعيد قوته، وأن سياساته القائمة على خفض الضرائب، وتشجيع الإنتاج المحلي، والتحرر من القيود التنظيمية، أعادت الزخم إلى الصناعة والطاقة والأسواق المالية.
فرسالة الطمأنة الداخلية، حملت في طياتها إشارات مقلقة خارجياً، خصوصاً لجهة مستقبل العلاقات التجارية والنظام الاقتصادي الدولي.

غير أن اللافت في خطاب ترامب عدم فصله بين الاقتصاد والسياسة، إذ تعمّد دمجهما في معادلة واحدة، حيث تحوّلت التجارة، والاستثمار، وحتى سلاسل التوريد، إلى أدوات ضغط استراتيجي تخدم الأهداف الأميركية الكبرى. فحين يتحدث الرئيس الأميركي عن الرسوم الجمركية، أو عن إعادة التفاوض على الاتفاقات التجارية، أو عن ربط الأمن الاقتصادي بالأمن القومي، فهو لا يخاطب الأسواق فقط، بل يوجّه رسائل مباشرة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء.

من هنا، فإن خطاب دافوس لم يكن موجهاً إلى المستثمرين بقدر ما كان موجهاً إلى العواصم الكبرى، لا سيما الأوروبية والآسيوية، حاملا ومحملا بعشرات الرسائل والتساؤلات.

اقتصادياً، حمل الخطاب إشارات مزدوجة. فمن جهة، حاول ترامب طمأنة رؤوس الأموال العالمية بأن الولايات المتحدة ستبقى الوجهة الأكثر أمناً وربحية للاستثمار، مستنداً إلى قوة الدولار، وعمق الأسواق المالية، والقدرة التكنولوجية الأميركية. ومن جهة أخرى، لوّح بإجراءات حمائية محتملة، وبإعادة رسم قواعد التجارة الدولية وفق ميزان المصالح الأميركية الصرف.

تناقض ظاهري بين الانفتاح الانتقائي والحمائية المشروطة، أعاد إلى الأذهان تجربة السنوات السابقة من إدارة ترامب، حين أدّت سياساته التجارية إلى توترات حادة مع الصين وأوروبا، وخلقت موجات من عدم اليقين في الأسواق العالمية.

غير أن أهمية خطاب دافوس تكمن أيضاً في كونه يعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة القيادة الاقتصادية العالمية. فبدلاً من الدور الأميركي التقليدي كضامن للنظام المالي والتجاري الدولي، بدا ترامب وكأنه يعيد تعريف هذا الدور على قاعدة “المنفعة مقابل الالتزام”، أي أن الشراكات الاقتصادية والأمنية لم تعد قائمة على التحالفات الثابتة، بل على صفقات متغيرة تخضع لإعادة التقييم المستمر.
منطق، وإن كان يحظى بتأييد داخلي أميركي، إلا أنه يثير قلقاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية الدولية، التي ترى فيه عاملاً إضافياً لعدم الاستقرار.

في موازاة ما تقدم، لا يمكن فصل الخطاب عن السياق الجيوسياسي الأوسع، حيث تتقاطع المنافسة الأميركية – الصينية، والتوترات مع أوروبا، والتحولات في أسواق الطاقة، مع مسألة مستقبل النظام النقدي العالمي. فالتلميحات إلى استخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح، سواء عبر العقوبات أو الرسوم أو القيود الاستثمارية، تعزز المخاوف من تفكك النظام الاقتصادي العالمي إلى كتل متنافسة، لكل منها قواعدها وأسواقها وعملاتها.
في هذا الإطار، يصبح خطاب ترامب في دافوس مؤشراً على تسارع الانتقال من عولمة منضبطة إلى عالم اقتصادي أكثر انقساماً.

بناءً عليه، يمكن القول إن خطاب الرئيس الأميركي في دافوس 2026 شكّل محطة مفصلية في قراءة اتجاهات الاقتصاد الدولي. فهو لم يقدّم خريطة طريق واضحة بقدر ما كشف عن فلسفة حكم ترى في الاقتصاد أداة قوة، وفي الأسواق ساحة صراع، وفي الشراكات تحالفات مشروطة.

عليه، فإن تأثير هذا الخطاب لن يُقاس فقط بردود فعل الأسواق الآنية، بل بمدى انعكاسه على قرارات الاستثمار، وتوجهات التجارة، ومستقبل التعاون الاقتصادي العالمي في مرحلة تبدو فيها اليقينيات القديمة آخذة في التآكل.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *