لطالما ساد الاعتقاد بأن الشخصية تستقر بعد سن الشباب، وأن التغيير يصبح صعباً مع التقدم في العمر. لكن دراسة أوروبية حديثة تقترح عكس ذلك، مؤكدة أن حتى من تجاوزوا الستين قادرون على تطوير مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية؛ إذا توفرت الدافعية والتدريب المناسب.
ووجدت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة هايدلبرغ الألمانية وجامعة مانهايم، ونُشرت في مجلة Communications Psychology، أن برنامجاً تدريبياً استمر ثمانية أسابيع نجح في إحداث تغييرات ملحوظة في بعض سمات الشخصية لدى كبار السن، بدرجة مماثلة لما حدث لدى الشباب.
وشارك في الدراسة 165 شخصاً، بينهم شباب في العشرينات من العمر، وكبار سن تتراوح أعمارهم بين 60 و80 عاماً. وخضع المشاركون لجلسات تدريب أسبوعية حضورية، إلى جانب مهام تطبيقية في حياتهم اليومية، ركزت على كيفية التعامل مع الضغوط وإدارة المشاعر السلبية وتحسين التفاعل في المواقف الاجتماعية الصعبة وتعزيز مهارات التعبير عن المشاعر وتنظيمها.
وقاس الباحثون تأثير البرنامج قبل بدايته، وخلاله، وبعد انتهائه، بل وحتى لمدة عام كامل لاحقاً، مستخدمين استبيانات واختبارات حاسوبية غير مباشرة.
وأظهرت النتائج تحسناً في سِمتين رئيسيتين من سمات الشخصية، الأولى هي الاستقرار العاطفي (انخفاض الميل للقلق والتقلبات الحادة)، والثانية هي الانبساطية (الانفتاح والتفاعل الاجتماعي).. والمفاجأة أن متوسط التغير في هاتين السمتين كان متشابهاً تقريباً بين الشباب وكبار السن.
وتقول الباحثة الرئيسية كورنيليا فرتس: “كانت نتيجة لافتة وغير متوقعة، لأننا نميل للاعتقاد بأن تعلم أشياء جديدة يصبح أصعب مع التقدم في العمر، مثل تعلم لغة أو آلة موسيقية”.
واختبر الباحثون فرضية مهمة، تتمحور حول سؤال “هل التزام المشاركين بالتدريب لعب دوراً في النتائج؟”، وتبين أن كبار السن أظهروا انخراطاً أعمق في المواد التدريبية والمهام الأسبوعية، أي أنهم كانوا أكثر التزاماً ومثابرة من بعض المشاركين الأصغر سناً.. وهذا يشير إلى أن الدافعية الشخصية قد تعوض أي تراجع محتمل في سرعة التعلم.

كسر الصورة النمطية
وتتحدى نتائج الدراسة المقولة الشائعة إنه لا يمكن تعليم الكبار، فبحسب الباحثين، القدرة على التغيير والتعلم لا تختفي مع التقدم في العمر، بل تبقى موجودة ما دام الشخص متحفزاً ومستعداً لبذل الجهد.
كما تعطي النتائج رسالة إيجابية في ظل شيخوخة السكان في كثير من دول العالم، إذ تشير إلى أن برامج تنمية المهارات النفسية والاجتماعية يمكن أن تكون فعالة أيضاً لدى كبار السن، وليس فقط لدى الشباب.
وتشير الدراسة إلى أن الشخصية ليست ثابتة تماماً بعد الستين، وأن المهارات العاطفية والاجتماعية قابلة للتطوير، والتدريب المنظم والمستمر يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً.. مع التأكيد على أن الدافعية والانخراط عنصران حاسمان في نجاح أي تغيير.




