أصدرت “المحكمة العليا” الأميركية قراراً برفض الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على سلع مستوردة بموجب قانون كان الهدف منه هو الاستخدام في حالات الطوارئ الوطنية، رافضة بذلك أحد أكثر ادعاءاته إثارة للجدل بشأن سلطته، في حكم سيكون له آثار كبيرة على الاقتصاد العالمي.
واستخدم ترامب الرسوم الجمركية أداة رئيسية في السياسة الاقتصادية والخارجية.
والرسوم الجمركية عنصر أساسي في الحرب التجارية العالمية التي شنها ترامب بعد أن بدأ ولايته الرئاسية الثانية، وأدت إلى تنفير الشركاء التجاريين وأثرت على الأسواق المالية وتسببت في حالة عالمية من الضبابية الاقتصادية.
وكان من المتوقع أن تدر رسوم ترامب الجمركية على مدى العقد المقبل عائدات للولايات المتحدة بتريليونات الدولارات.
ولم تقدم إدارة ترامب بيانات عن تحصيل الرسوم الجمركية منذ 14 كانون الأول. لكن تقديرات خبراء في مبادرة “نموذج بن-وارتون للموازنة” خلصت إلى أن المبلغ الذي تم تحصيله من رسوم ترامب الجمركية بناءً على “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” تجاوز 175 مليار دولار.
وسيكون من الضروري على الأرجح رد هذا المبلغ مع صدور حكم “المحكمة العليا” ضد الرسوم الجمركية المفروضة بموجب ذلك القانون.
ويمنح الدستور الأميركي “الكونغرس”، وليس الرئيس، سلطة فرض الضرائب والرسوم الجمركية. لكن ترامب لجأ إلى سلطة قانونية باستخدام “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” لفرض الرسوم الجمركية على كل شركاء الولايات المتحدة التجاريين تقريباً دون موافقة “الكونغرس”
وفرض ترامب بعض الرسوم الجمركية بموجب قوانين أخرى لا ترتبط بهذه الحالة. وبناءً على بيانات حكومية عن الفترة من تشرين الأول إلى منتصف كانون الثاني، تمثل هذه نحو ثلث إيرادات الرسوم التي فرضها الرئيس الأميركي.
ويسمح “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” للرئيس بتنظيم التجارة في حالات الطوارئ الوطنية.
وأصبح ترامب أول رئيس يستخدم هذا القانون في فرض رسوم جمركية، وهي واحدة من طرق عدة استخدمها منذ عودته إلى منصبه لتوسيع صلاحياته التنفيذية في مجالات متنوعة شملت حملته على المهاجرين وإقالة مسؤولين في وكالات اتحادية ونشر قوات عسكرية داخل الولايات المتحدة والقيام بعمليات عسكرية في الخارج.
الإدارة الأميركية تدافع عن الرسوم الجمركية
وبعد أن استمعت “المحكمة العليا” إلى المرافعات في الدعوى في نوفمبر/تشرين الثاني، قال ترامب إنه سيدرس بدائل إذا صدر حكم ضده بشأن الرسوم الجمركية. وأضاف في تصريحات لصحفيين: “سيتعين علينا وضع خطة بديلة”.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت ومسؤولون آخرون في الإدارة الأميركية إن الولايات المتحدة ستستند إلى مبررات قانونية أخرى للإبقاء على أكبر قدر ممكن من رسوم ترامب الجمركية.
ومن بين هذه المبررات، بند قانوني يسمح بفرض رسوم جمركية على السلع المستوردة التي تهدد الأمن القومي الأميركي، وآخر يسمح باتخاذ إجراءات انتقامية، من بينها فرض رسوم جمركية ضد الشركاء التجاريين الذين يقرر “مكتب الممثل التجاري الأميركي” أنهم مارسوا ممارسات تجارية غير عادلة ضد المصدرين الأميركيين.
ولم يوفر أي من هذه البدائل المرونة والفاعلية التي وفرها “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” لترامب الذي قد لا يكون قادراً على تكرار الرسوم الجمركية بنطاقها الكامل في الوقت المناسب.
وعززت قدرة ترامب على فرض رسوم جمركية فورية على سلع واردة من أي شريك تجاري تحت غطاء حالة طوارئ وطنية معلنة من نفوذه على الدول الأخرى.
ودفعت قادة العالم إلى التهافت على واشنطن لعقد اتفاقيات تجارية تضمنت في كثير من الأحيان تعهدات باستثمارات بمليارات الدولارات أو عروضاً أخرى لتحسين فرص وصول الشركات الأميركية إلى الأسواق.
لكن استخدام ترامب للرسوم الجمركية أداة ضغط في السياسة الخارجية الأميركية تسبب في استعداء كثير من الدول، ومن بينها بلدان تعتبر من أقرب حلفاء الولايات المتحدة.
وتاريخياً، استخدم “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” لفرض عقوبات على الخصوم أو تجميد أصولهم وليس لفرض رسوم جمركية. ولا ينص القانون صراحة على كلمة رسوم جمركية. وزعمت “وزارة العدل” في عهد ترامب أن القانون يجيز فرض رسوم جمركية من خلال منح الرئيس صلاحية تنظيم الواردات لمواجهة حالات الطوارئ.
وخلصت تقديرات “مكتب الموازنة في الكونغرس” إلى أن كل الرسوم الجمركية الحالية، ومن بينها تلك المفروضة بموجب “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية”، ستدر نحو 300 مليار دولار سنوياً على مدى العقد القادم في حالة استمرارها.
ترامب يصفه بـ”وصمة عار” وبديل محتمل
وفي أول تعليق له، وصف ترامب قرار المحكمة العليا القاضي برفض الرسوم الجمركية بأنه “وصمة عار”، معتبراً أن الحكم يقوض جهوده التجارية.
من جهتها، نقلت شبكة “سي إن إن” عن مصادر مطلعة أن ترامب أبلغ مقربين منه بامتلاكه بديلاً عن الرسوم الجمركية، دون الكشف عن تفاصيل هذا البديل أو توقيت طرحه.
ردود فعل عالمية
أعلنت منظمة التجارة العالمية أنها لا تعتزم التعليق على الحكم القضائي الصادر في الولايات المتحدة بشأن رفض الرسوم الجمركية.
ومن جانبه، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه يجري تواصلاً مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاستيضاح موقفها بشأن الرسوم الجمركية، في ظل التطورات القانونية الأخيرة المتعلقة بقرار المحكمة العليا الأميركية.
وفي سياق متصل، أكدت الحكومة الكندية أن قرار المحكمة العليا الأميركية بشأن الرسوم يعزز موقف أوتاوا في النزاع التجاري، مشيرة إلى أن الحكم يدعم وجهة نظرها القانونية في هذا الملف.



