أخبار خاصة

المنح المؤقتة: مسكن عاجل أم فخ اقتصادي؟ام تؤجل الانفجار مجددا

ناجي الخوري

في بلدٍ يعيش واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث، لم تعد القرارات المالية تُقاس بمدى فعاليتها الاقتصادية بقدر ما تُقاس بقدرتها على امتصاص الغضب الاجتماعي وتأجيل الانفجار، حيث تبرز المنح المالية المؤقتة كأحد أكثر الأدوات استخدامًا من قبل الدولة اللبنانية في السنوات الأخيرة، بوصفها استجابة سريعة لضغوط الشارع، وانهيار القدرة الشرائية، وتآكل الأجور، لا كخيار نابع من رؤية إصلاحية واضحة أو سياسة مالية مستدامة.

تولد عادة هذه القرارات تحت ضغط الوقت، وحرارة الاحتجاجات، واستحقاقات سياسية حساسة، ما يجعلها أقرب إلى حلول إسعافية منها إلى معالجات جذرية لأزمة بنيوية عميقة. فمنذ بدء الانهيار المالي والنقدي، فقدت الدولة اللبنانية تدريجيًا قدرتها على إدارة السياسة الاقتصادية وفق منطق التخطيط طويل الأمد. ومع شلل المؤسسات، وتراجع الإيرادات العامة، وانهيار قيمة العملة الوطنية، باتت أي زيادة على الرواتب أو تقديمات اجتماعية تُصنّف تلقائيًا كمنحة مؤقتة أو بدل استثنائي، في محاولة واضحة للالتفاف على استحقاق إصلاح شامل لنظام الأجور والإنفاق العام. واقع حوّل المنح من أداة دعم ظرفية إلى بديل دائم عن الإصلاح، ما فتح الباب أمام إشكاليات اقتصادية ومالية خطيرة.

منح، تكمن خطورتها في أنها تُقدَّم غالبًا خارج إطار سياسة مالية متكاملة، ومن دون ربطها بإنتاجية أو مصادر تمويل واضحة ومستدامة. فهي لا تأتي نتيجة نمو اقتصادي، ولا نتيجة تحسن في إيرادات الدولة، بل تُفرض بفعل الضغط الاجتماعي أو السياسي، ما يجعلها عبئًا إضافيًا على خزينة تعاني أصلًا من عجز مزمن. وفي ظل غياب الثقة الداخلية والخارجية، وتراجع القدرة على الاستدانة بشروط طبيعية، يصبح تمويل هذه المنح تحديًا بحد ذاته، غالبًا ما يُحل عبر إجراءات ترقيعية تُفاقم الأزمة بدل أن تخففها.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي لهذه المنح. فمع الانهيار الحاد في مستوى المعيشة، وارتفاع نسب الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، تجد الدولة نفسها أمام معادلة صعبة: إما تجاهل الضغط الاجتماعي والمخاطرة بانفجار واسع، أو تقديم مساعدات مالية مؤقتة لشراء الاستقرار الاجتماعي، رغم أن هذه المعالجة، رغم مشروعيتها الإنسانية في بعض اللحظات، تطرح تساؤلات جوهرية حول كلفتها الاقتصادية، وجدواها على المدى المتوسط والبعيد، وتأثيرها الحقيقي على حياة المواطنين.

اقتصاديًا، تُطرح المنح المالية المؤقتة كحل سريع لمشكلة الدخل، لكنها غالبًا ما تصطدم بواقع اقتصاد هش، ضعيف الإنتاج، قائم على الاستيراد، ويعاني من اختلالات هيكلية عميقة. ففي مثل هذا الاقتصاد، يؤدي ضخ السيولة من دون تغطية إنتاجية إلى نتائج عكسية، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم، وتآكل سريع للقيمة الفعلية للمنح نفسها، ما يعيد إنتاج الأزمة بشكل أكثر حدّة، لتتحول بذلك المنحة من أداة دعم إلى عامل إضافي في تعميق الخلل النقدي والمالي.

أما على مستوى خزينة الدولة، فتشكّل هذه المنح اختبارًا قاسيًا لقدرتها على الصمود. فكل قرار بمنح مالية إضافية يعني التزامًا جديدًا، حتى لو وُصف بالمؤقت، في موازنة تعاني أصلًا من تشوهات بنيوية، حيث يطغى الإنفاق الجاري على الإنفاق الاستثماري، وتغيب الأولويات الواضحة. الأسوأ أن الطابع المؤقت لهذه المنح غالبًا ما يتحول، تحت ضغط الواقع، إلى شبه دائم، ما يراكم أعباء مالية من دون أي مردود اقتصادي مستقبلي.

في هذا السياق، تكتسب دراسة المنح المالية المؤقتة كاستجابة للضغط أهمية خاصة، ليس فقط لتقييم أثرها الآني، بل لفهم انعكاساتها العميقة على الاقتصاد الكلي، وعلى المالية العامة، وعلى مسار التعافي المحتمل. فهل تشكّل هذه المنح صمام أمان اجتماعي لا بد منه في مرحلة الانهيار؟ أم أنها مجرد مسكّن يؤجل الانفجار ويزيد كلفة العلاج لاحقًا؟ وهل يمكن تحويلها إلى أداة انتقالية ضمن خطة إصلاحية شاملة، أم أنها محكومة بالبقاء في خانة الحلول الترقيعية

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *