أخبار خاصة

حين بدل ترامب وجهته شرقا….اين روسيا ؟

ناجي الخوري

في عالم العلاقات الدولية، لا تمرّ الإشارات الصغيرة مرور الكرام. فكل لقاء يُلغى، وكل مصافحة تُؤجَّل، وكل صورة تُلتقط، تحمل في طيّاتها رسائل استراتيجية أعمق من ظاهرها. في هذا السياق، أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب استبدال لقائه المرتقب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بلقاء آخر مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، عاصفة من التحليلات حول دلالات الخطوة وتداعياتها المحتملة على التوازنات العالمية.

فالاجتماع الذي كان يُفترض أن يجمع ترامب وبوتين، بوصفه اختباراً جديداً للعلاقات الأميركية – الروسية، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتعقّد ملفات الطاقة والعقوبات والمواجهات غير المباشرة بين الطرفين في الشرق الأوسط وأفريقيا، تحولت فجأة وجهته، نحو بكين، حاملا في طيّاته أكثر من مجرد تعديل في جدول المواعيد الدبلوماسي: إنه إعلان ضمني عن إعادة ترتيب أولويات واشنطن، وربما أيضاً، عن انتقال مركز الاهتمام الأميركي من الجبهة الأوروبية إلى الجبهة الآسيوية.

فاللقاء مع الرئيس الصيني لم يأت من فراغ، بل في لحظة شديدة الحساسية يتقاطع فيها الاقتصاد، السياسة والأمن في معادلة دولية متشابكة، حيث تمثل الصين اليوم التحدي الأكبر لواشنطن من حيث النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، لكنها في الوقت نفسه شريك لا يمكن تجاهله في إدارة ملفات كبرى مثل التجارة العالمية، الطاقة، وأمن المحيط الهادئ.

لذا، فإنّ استبدال لقاء بوتين بلقاء شي قد يُقرأ كمناورة استراتيجية تهدف إلى فتح قنوات تفاوضية جديدة، أو ربما لخلق توازن مضاد في مواجهة موسكو عبر بكين.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد الرمزي والسياسي للخطوة. ففي حين تتراجع العلاقات الأميركية – الروسية إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة، يسعى ترامب إلى تقديم نفسه على الساحة الدولية كقائد “براغماتي” قادر على تجاوز الانقسامات التقليدية والانفتاح على القوى الصاعدة.

خطوة، على جرأتها، تنطوي على مخاطر لا تقلّ وزناً عن فرصها: إذ قد تُثير امتعاض موسكو، وتربك الحلفاء الأوروبيين، وتفتح باب التأويلات حول مدى ثبات السياسة الخارجية الأميركية واتساقها.

من هنا، لا يُمكن النظر إلى استبدال لقاء بوتين بلقاء شي بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً فحسب، بل كمؤشّر على تحوّل في الاتجاهات الكبرى داخل الاستراتيجية الأميركية: من سياسة المواجهة مع روسيا إلى محاولة “الترويض” أو “الاحتواء الذكي” للصين، في لعبة توازن دقيقة قد تعيد رسم خرائط القوة في القرن الحادي والعشرين.

ازا ء هذه القراءة ماذا عن سيناريوهات ما بعد القمة؟ المتابعون لملف العلاقات المعقدة بين واشنطن، موسكو، وبكين، يتوقفون عند ثلاث سيناريوهات مستقبلية محتملة، لكل منها ظروفها وتحدياتها وتداعياتها، على المستوى الدولي، أبرزها:

  • سيناريو التثبيت مع الصين: من خلال اعلان الرئيس ترامب “شراكة استراتيجية” مع بكين، في ملفات التجارة والتكنولوجيا، يستخدمها كورقة ضغط على روسيا للعودة إلى طاولة المفاوضات مع شروط أميركية – أوروبية.
  • سيناريو الردّ الروسي: حيث تردّ موسكو باتخاذ “اجراءات” في أوكرانيا أو في الشرق الأقصى، أو تعزز تحالفاتها مع الصين أو إيران، كرد على “تطويق” واشنطن لها.
  • سيناريو “التمهيد لوساطة ثلاثية”: موافقة كل من الولايات المتحدة والصين على مسار تفاوضي مع روسيا حول أوكرانيا، الشرق الأوسط، وأفريقيا، بحيث تصبح الصين طرفًا فاعلًا في تسوية دولية، وتستعيد الولايات المتحدة موقعها الوسيط.
  • سيناريو فشل اللقاء: في حال لم يُحقق اللقاء نتائج ملموسة، فقد يُنظر إلى ترامب بأنه تخلى عن أولويته مع روسيا دون أن يكسب من الصين، ما يضعه في موقف ضعف استراتيجي.

في التقييم الاستراتيجي لسلوك الرئيس الاميركي، تعد خطوته محفوفة بالتحدّيات أكثر منها واضحة المكاسب. فالمنافع المحتملة موجودة، خصوصاً من خلال التجارة والمكانة الأميركية في آسيا، لكن المخاطر، خصوصاً تجاه روسيا والحلفاء الغربيين، كبيرة.

فإذا كان هدفه من اللقاء، الحصول على “بطاقة” تأخذ بها الولايات المتحدة قدماً في مفاوضات روسيا أو في إعادة تشكيل النظام الدولي، فهذا يمكن أن يكون منطقيًا، لكن في المقابل إن تمّ الأمر من دون خطة واضحة أو بدون مراعاة تداعيات الردّ من موسكو أو الحلف الأطلسي، فإن المكاسب قد تتضاءل أو حتى تنقلب إلى خسائر.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *