أخبار خاصة

سوريا على خطّ الطاقة العالمي…. هل يُقصى لبنان أم يُعاد رسم دوره؟

ناجي الخوري

في لحظة دولية تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، لم يعد أمن الطاقة مسألة تقنية محصورة بإدارة الموارد أو تطوير البنى التحتية، بل تحوّل إلى أحد أبرز محددات إعادة تشكيل النظام العالمي.

فالتوترات المتكررة في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، إضافة إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا، دفعت القوى الكبرى إلى إعادة التفكير جذرياً في خرائط الإمداد، بحثاً عن بدائل أكثر أماناً واستقراراً.

في هذا السياق، برزت منطقة الشرق الأوسط مجدداً كمسرح رئيسي لإعادة هندسة طرق الطاقة، ولكن هذه المرة من بوابة البر، لا البحر، ومن خلال شبكات أنابيب وممرات جغرافية تتجاوز نقاط الاختناق التقليدية.

ضمن هذا التحول، تعود سوريا إلى الواجهة، ليس فقط كدولة خارجة تدريجياً من أتون الحرب، بل كعقدة جيوستراتيجية مرشحة للعب دور محوري في ربط مصادر الطاقة في الخليج والعراق بأسواق المتوسط وأوروبا.

فالموقع الجغرافي السوري، الممتد بين الشرق الغني بالموارد والغرب المستهلك للطاقة، يمنحها أفضلية نادرة في زمن تتزايد فيه أهمية الممرات البرية الآمنة. ومع تزايد الحديث عن إعادة إحياء خطوط أنابيب تاريخية، مثل كركوك – بانياس، وطرح مشاريع جديدة لنقل الغاز عبر الأراضي السورية نحو تركيا وأوروبا، تبدو ملامح دور جديد لسوريا في طور التشكل، يتجاوز البعد المحلي ليصل إلى قلب معادلات الطاقة العالمية.

غير أن هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة. فالتنافس الدولي على تأمين مسارات بديلة للطاقة يعكس صراعاً أعمق على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي، حيث تسعى الولايات المتحدة وشركاؤها إلى تقليص الاعتماد على الممرات البحرية المهددة، في حين تحاول قوى أخرى، مثل روسيا والصين، تثبيت مواقعها ضمن شبكات الإمداد الجديدة.

في قلب هذا التنافس، تصبح سوريا ساحة تقاطع مصالح، حيث يتداخل الاقتصادي بالسياسي، والاستثماري بالأمني، في معادلة معقدة ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

في المقابل، يطرح هذا التحول تحديات وجودية على دول الجوار، وفي مقدمتها لبنان، الذي لطالما لعب دوراً محورياً في منظومة نقل الطاقة في شرق المتوسط. فمنذ منتصف القرن الماضي، شكّل لبنان نقطة عبور أساسية للنفط العراقي والخليجي عبر مرافئه وخطوطه، ما منح اقتصاده بعداً استراتيجياً يتجاوز حجمه الجغرافي.

إلا أن تراجع هذا الدور تدريجياً، نتيجة الحروب والإهمال البنيوي، يتزامن اليوم مع خطر أكبر يتمثل في إعادة رسم خرائط الطاقة الإقليمية بطريقة قد تتجاوز لبنان بالكامل.

إن انتقال مركز الثقل من لبنان إلى سوريا، في حال تحقق بشكل كامل، لا يعني فقط خسارة عائدات اقتصادية مباشرة، بل يهدد بإعادة تصنيف لبنان ضمن هامش الاقتصاد الإقليمي، بعد أن كان في قلبه.

فالدول التي تتحكم بممرات الطاقة لا تكتفي بتحصيل رسوم عبور، بل تكتسب نفوذاً سياسياً وقدرة على التأثير في القرارات الدولية، ما يجعل من هذا التحول مسألة سيادية بامتياز، لا مجرد قضية اقتصادية.

مع ذلك، لا يخلو المشهد من فرص كامنة، إذ يمكن للبنان، إذا ما أحسن قراءة التحولات، أن يعيد تموضعه ضمن النظام الجديد، عبر التكامل مع الدور السوري بدلاً من منافسته، والاستثمار في مجالات الخدمات اللوجستية والتخزين وإعادة التصدير، فضلاً عن تسريع استثمار موارده الغازية البحرية.

غير أن تحقيق هذا السيناريو يبقى رهناً بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تجاوز أزماتها البنيوية، وبناء رؤية استراتيجية واضحة تتعامل مع التحولات الإقليمية بواقعية وبراغماتية.

عليه، فإن الحديث عن سوريا كمعبر استراتيجي بديل لأمن الطاقة العالمي لا يمكن فصله عن سؤال أكبر: كيف ستُعاد صياغة الأدوار في شرق المتوسط؟ وهل سيكون لبنان قادراً على الحفاظ على موقعه ضمن هذه المعادلة، أم أنه سيتحول إلى متلقٍ لتداعياتها؟

بين هذين الاحتمالين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى الاقتصاد، بل على مستوى الدور والمكانة في خريطة تتغير بسرعة غير مسبوقة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *