أخبار خاصة

السوق اللبنانية “مرعوبة” من القرار الاخير لمصرف لبنان… اقتصاد الكاش: بين الثقة المفقودة والشفافية المفروضة

السوق اللبنانية” مرعوبة “من القرار الاخير لمصرف لبنان
اقتصاد الكاش: بين الثقة المفقودة والشفافية المفروضة

ناجي الخوري

في بلدٍ وُلد فيه “اقتصاد الكاش” من رحم الانهيار، وأصبح مع الوقت شريان الحياة اليومية، يبدو أن لبنان اليوم يقف أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه المالي: مرحلة وقف التعامل النقدي أو ما يُعرف بـ”نهاية زمن الكاش”. قرارٌ قد يبدو، للوهلة الأولى، خطوة تقنية في مسار الإصلاح المالي، لكنه في الواقع يشبه زلزالاً صامتاً يستعد لضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية معاً.

منذ 2019، أصبح الكاش ملك السوق اللبنانية بلا منازع. كل شيء يُدفع نقداً: من قسط المدرسة إلى فنجان القهوة، مروراً بالإيجارات والصفقات العقارية وحتى الرشاوى الصغيرة. فانهيار القطاع المصرفي وانعدام الثقة بالدولة جعل الناس يهربون من الحسابات إلى الجيوب، ومن التحويلات إلى “المغلفات”. هكذا، صار النقد الورقي عنواناً للسيادة الفردية، ورمزاً لحرية المواطن في مواجهة نظامٍ مصرفي مدمر.

لكن رياح التغيير هبت من واشنطن، في غير حسابات السفن اللبنانية. فمع تشديد الإجراءات الدولية على مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وضغوط صندوق النقد الدولي، ودفع الدولة باتجاه الرقمنة والجباية الفعلية، جاء القرار الحتمي: لا اقتصاد مستدام مع اقتصاد الكاش، حيث التهرّب الضريبي وتبييض الأموال، وسيلة فعالة لتقويض قدرة الدولة على استعادة سيادتها المالية.

غير ان وقف اقتصاد الكاش في لبنان لن يكون مجرّد تعديل في أسلوب الدفع، بل تحوّل هيكلي يطال كل القطاعات. فالتاجر الذي يعتاش من بيع الذهب أو السيارات أو العقارات نقداً سيجد نفسه أمام معادلة جديدة: كل ليرة ستُراقب، وكل فاتورة ستُسجّل. أصحاب المولدات، السوبرماركات، محال الصيرفة، والمهن الحرة الذين كانوا يحددون الأسعار وفق “مزاج السوق”، سيتعيّن عليهم دخول النظام الرسمي، حيث الشفافية ضريبة لا مهرب منها.

إلا أن هذا الانتقال ليس بريئاً. فالتجربة اللبنانية تختلف جذرياً عن الدول التي نجحت في تقليص الاعتماد على الكاش. في أوروبا، كانت البنى المصرفية متينة، والثقة بالمؤسسات العامة عالية، والرقمنة شاملة. أما في لبنان، فالثقة بالمصارف تلامس الصفر، والقطاع المالي يعيش على الأوكسيجين الاصطناعي.
فكيف يمكن إقناع المواطن بإيداع أمواله في نظامٍ احتجزها سابقاً دون خجل؟

اكيد ان اللبنانيين لا يرفضون النظام الإلكتروني لأنه “متخلف” أو “ضد التطور”، بل لأنهم ببساطة يعتبرون أن الدولة، قبل المصارف، فاقدة للمصداقية. فالمواطن الذي رأى جنى عمره يتبخر في المصارف، لا يريد أن يسلّم مفاتيح ما تبقّى من أمواله إلى النظام نفسه، ولو تحت غطاء “التنظيم المالي”. لذلك، فإن قرار وقف الكاش، إذا فُرض فجأة ومن دون إعادة بناء الثقة، قد يولّد مقاومة مدنية واقتصادية صامتة: تهريب الأموال، مضاعفة الأسعار، وتعزيز السوق السوداء للدفع النقدي خارج القانون.

فوقف الكاش في المدى القصير، سيؤدي، إلى انكماش في النشاط التجاري، حيث الكثير من الأعمال الصغيرة تعتمد على السيولة السريعة لتدوير رأس المال. ومع دخول القيود الجديدة، سيصعب على هؤلاء تأمين السيولة اليومية أو التهرّب من الفواتير الرسمية. والنتيجة ببساطة: ارتفاع الأسعار، انخفاض الطلب، وزيادة البطالة في القطاعات الهشة.

أما في المدى المتوسط، فقد يحمل القرار بعض الإيجابيات: إذ سيجبر عدداً كبيراً من المؤسسات على التسجيل الضريبي، ما يوسّع القاعدة الضريبية للدولة، ويرفع الإيرادات العامة. كذلك، قد يُعيد بعض الأموال المكدّسة في البيوت إلى الدورة المصرفية، ما يخفّف من الضغط على الكتلة النقدية بالليرة ويحدّ من التضخّم النقدي.

لكن الخطر الأكبر يبقى في المرحلة الانتقالية: أي لحظة التحوّل من “اقتصاد الكاش” إلى “اقتصاد التتبع”. هنا سيُختبر مدى قدرة الدولة على فرض النظام دون قمع، وعلى بناء الثقة دون ابتزاز.

اما اجتماعياً، فسيشعر اللبناني أن جزءاً جديداً من “خصوصيته” يُصادر. الكاش كان آخر مساحة حرية في بلدٍ باتت فيه كل تفاصيل الحياة مراقبة أو مقيّدة. أما سياسياً، فالأمر يحمل أبعاداً أعمق. فوقف الكاش يعني عملياً إنهاء اقتصاد الظل الذي تعيش منه شرائح كبيرة، من العمال إلى التجار الصغار وصولاً إلى بعض الأحزاب والمجموعات التي تموّل نفسها خارج النظام الرسمي.

في المقابل، يرى خبراء أن القرار قد يشكّل فرصة نادرة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس عصرية. فلبنان لا يمكن أن ينهض من دون شفافية مالية. وتوسيع الدفع الإلكتروني قد يفتح الباب أمام إصلاحات ضريبية حقيقية، ويعيد ربط الاقتصاد اللبناني بالنظام المالي الدولي بعد عزلةٍ طويلة.

باختصار، السوق “مرعوبة” من المجهول، والمواطن يترقّب: هل سيولد النظام المالي الجديد من رحم النظام القديم، أم أنّ لبنان سيعود ببساطة إلى ما يتقنه جيداً …. الاقتصاد الموازي؟

الجواب غير واضح، اذ ان وقف اقتصاد الكاش في لبنان ليس مجرد إجراء تقني بل مواجهة بين ثقافتين: ثقافة الثقة المفقودة، وثقافة الشفافية المفروضة. فإذا فشلت الدولة في إعادة بناء الجسور بين المواطن والنظام المالي، فإن كل قرار إصلاحي سيبقى حبراً على ورق. أما إذا نجحت في تحويل “الرقمنة المالية” إلى مساحة أمان حقيقية، فقد يشهد لبنان بداية خروج بطيء من نفق الفوضى النقدية إلى ضوء الدولة الحديثة.

فهل يكون ذلك بداية “نهاية الأزمة” أم فصلاً جديداً منها؟ الجواب، كالعادة في لبنان، رهن المزاج السياسي …. لا المالي.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *