أخبار خاصة

بين واقعية التسوية واستحالة الاستسلام: لماذا قد تقبل إيران بالحل؟

عصام شلهوب -سيدرز ريبورت

يشهد عام 2026 تحوّلاً حاداً في طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، حيث انتقل من حالة “اللاحرب واللاسلم” إلى مواجهة مفتوحة تحمل كلفة باهظة على الجميع. ومع تصاعد الضربات وتوسّع رقعة الاستنزاف، لم يعد السؤال من يربح عسكرياً، بل من يستطيع الصمود اقتصادياً وسياسياً حتى النهاية. من هنا، يبرز الطرح الأمريكي للتسوية كخيار مطروح، ليس لأنه مثالي، بل لأنه قد يكون “الأقل كلفة” مقارنة بالبدائل.

ورغم أن المقترح الأمريكي يبدو في ظاهره قاسياً، خصوصاً لجهة تفكيك عناصر القوة العسكرية والنووية الإيرانية، إلا أن قراءة واقعية للمشهد الداخلي في طهران تُظهر أن القبول بتسوية -جزئية—قد يتحول من خيار إلى ضرورة.

أولاً، العامل الأكثر ضغطاً هو الاختناق الاقتصادي. فالحرب لم تكتفِ بتقليص عائدات النفط، بل أصابت البنية الإنتاجية بالشلل، ودفعت بالتضخم إلى مستويات تهدد الاستقرار الاجتماعي. ومع تراجع القدرة الشرائية وانقطاع الخدمات الأساسية، يصبح خطر الانفجار الداخلي أكثر واقعية من أي تهديد خارجي. في هذا السياق، يشكّل رفع ولو جزئي للعقوبات بمثابة “صمام أمان” للنظام.

ثانياً، ترتبط المسألة بـ شرعية القيادة الجديدة. فانتقال السلطة في ظروف استثنائية يفرض على القيادة تثبيت موقعها سريعاً، وليس هناك أفضل من إنهاء حرب مدمّرة لتقديم نفسها كقوة إنقاذ لا كامتداد للأزمة. التسوية هنا تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية داخلياً، وليس فقط تنازلاً للخارج.

ثالثاً، هناك الضغط الاستراتيجي من الحلفاء. فالصين، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار إمدادات الطاقة، لا يمكنها تحمّل إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، وروسيا بدورها تفضّل إدارة الصراع لا تفجيره. هذا التلاقي في المصالح يدفع طهران نحو القبول بحل “محسوب” يحفظ الحد الأدنى من نفوذها.

رابعاً، لا يمكن تجاهل أن إيران، رغم قدرتها على الصمود، تدرك حدود القوة في مواجهة تحالف يمتلك تفوقاً جوياً واستخباراتياً واضحاً. لذلك، فإن إعادة تموضع تكتيكي—عبر القبول بقيود جزئية على البرنامج النووي والصاروخي—قد يكون الخيار الأكثر عقلانية للحفاظ على جوهر النظام بدل المجازفة بكل شيء.

في المقابل، تبقى العقدة الأساسية هي فجوة الثقة. فطهران لا تنظر إلى الطرح الأمريكي كاتفاق متوازن، بل كصيغة قريبة من الإملاء. لذلك، فإن أي قبول لن يكون كاملاً، بل مشروطاً بضمانات دولية حقيقية تضمن عدم تكرار سيناريو التصعيد.

في الخلاصة، لا تبدو التسوية مستحيلة، لكنها أيضاً ليست سهلة. إنها أقرب إلى “تفاهم الضرورة” الذي تفرضه موازين الاستنزاف لا موازين النصر. وبين خيار الانهيار البطيء أو القبول بتسوية ناقصة، قد تجد إيران نفسها مضطرة لاختيار المسار الذي يضمن بقاء الدولة—even بثمن تقليص طموحاتها

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *