ناجي الخوري
في لحظة سياسية ومالية دقيقة تعيشها البلاد، شكّلت كلمة رئيس جمعية المصارف سليم صفير في مؤتمر اتحاد المصارف العربية منعطفاً لافتاً في مسار النقاش الدائر منذ خمس سنوات حول أسباب الانهيار ومسؤوليات الأطراف المختلفة.
فبعد صمت امتدّ طويلاً ووسط موجة اتهامات متصاعدة ضد القطاع المصرفي، بدا صفير وكأنه يختار التوقيت الأكثر حساسية ليقدّم رواية جديدة، أو مصحّحة، عن دور المصارف في الأزمة، معيدا وضع القطاع في موقع اللاعب الأساسي لا المتهم الدائم.
هكذا قدم صفير خطاباً وُصف داخل الأوساط المالية والسياسية بأنه “مفصلي” ومحاولة واضحة لإعادة تموضع القطاع المصرفي في قلب المعادلة اللبنانية الجديدة، بدا أقرب إلى خارطة طريق دفاعية ـ هجومية، تسعى إلى إعادة صياغة رواية الانهيار، وتقديم المصارف كشريك لا غنى عنه في مرحلة الإعمار المقبلة. فماذا في التفاصيل؟
في الحديث عن خطاب رئيس جمعية المصارف سليم صفير، يجدر التوقف عند النقاط التالية:
- التوقيت المحسوب والرسائل المدروسة:
حيث اختار صفير لحظة سياسية حساسة للغاية ليطلّ بهذا الخطاب: رئيس جديد للجمهورية جوزاف عون، حكومة برئاسة نواف سلام، وحاكم جديد لمصرف لبنان الدكتور كريم سعيد، واطلاق سراح الحاكم السابق رياض سلامة.
توقيت لم يكن تفصيلاً. فالمصارف، التي خسرت الكثير من رصيدها الشعبي والسياسي منذ 2019، تحاول اليوم إعادة تثبيت موقعها كلاعب رئيسي في مرحلة إعادة الهيكلة، قبل أن تبدأ السلطة الجديدة بصوغ القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل النظام المالي.
في هذا الاطار اراد صفير القول إن المصارف جاهزة للإصلاح، ولكن وفق شروط واضحة تضمن بقاءها في صلب النظام لا على هامشه، معيدا بذلك بناء علاقة مع الدولة بعدما شهدت السنوات الماضية توتراً غير مسبوق بين الطرفين، بلغ حدّ تبادل الاتهامات وغياب الثقة.
- إعادة سردية الأزمة: لسنا المتهمين:
فمن أبرز ما جاء في كلمة صفير، إصراره على إعادة تعريف مسؤولية الانهيار. ففي حين حمّل الشارع والسياسيون جزءاً كبيراً من الضغط للمصارف، حرص صفير على نفي أي مسؤولية مباشرة أو أساسية للقطاع، مؤكداً أنّ “المصارف لم تصرف الرواتب، ولم تبنِ المشاريع الوهمية، ولم تتورط في الفساد”.
هذا الكلام، وإن كان يعكس وجهة نظر القطاع المصرفي، يبقى موضع نقاش واسع. فالمصارف، وإن لم تكن عقل القرار السياسي، إلا أنها كانت شريكاً أساسياً في تمويل الدولة بشكل مفرط، واستفادت من الفوائد العالية والهندسات المالية، وشجّعت على توظيف أموال المودعين في ديون سيادية عالية المخاطر.
لذلك، بدا خطاب صفير أقرب إلى محاولة تنظيف دفاتر الاتهام قبل دخول مرحلة توزيع الخسائر.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل دقّة ما أشار إليه حول “الحملات الظالمة والممنهجة” التي استهدفت المصارف. فجزء من الخطاب السياسي الشعبي حمّل المصارف مسؤوليات فاقت حجمها الفعلي، فيما اختفت مسؤوليات الدولة والعقود الطويلة من الفساد وسوء الإدارة.
- دور المصارف في الإعمار: العودة من بوابة التمويل:
إذ ركّز صفير بشكل لافت على العلاقة بين المصارف ومرحلة الإعمار المقبلة. فشعاره الضمني كان واضحاً: “لا إعمار بلا قطاع مصرفي”.
واضح إدراكه بأن المرحلة المقبلة ستكون شديدة التعقيد، وأن البلاد مقبلة على مشاريع بنى تحتية ومخططات اقتصادية تحتاج إلى عشرات المليارات. وبالتالي، أراد تذكير الجميع بأنّ البديل عن المصارف المحلية غير موجود فعلياً: لا مؤسسات دولية تستطيع وحدها سدّ الفجوة، ولا أموال عربية جاهزة للدخول في سوق مضطربة، ولا بنية قانونية تسمح لمصارف أجنبية بالعودة سريعاً.
عليه وضع صفير هذا الطرح كواقع لا بد منه: المصارف هي الذراع التمويلية الأساسية للبنان، وبالتالي فإن أي هجوم عليها أو محاولة لتقليص حجمها سيعني ببساطة إضعاف قدرة البلاد على النهوض.
- إعادة الهيكلة: الاعتراف بالضرورة لا يكفي:
من النقاط اللافتة في خطاب صفير قوله إن إعادة هيكلة القطاع المصرفي “ضرورة وطنية”، وليس خياراً. هذا الاعتراف العلني يشكّل سابقة في خطاب جمعية المصارف، التي كانت ترفض سابقاً أي طرح يمسّ رساميلها أو تركيبتها التقليدية.
لكن هذا الاعتراف، رغم أهميته، جاء دون تفاصيل، اذ لم يذكر كيف سيتم التعامل مع الودائع، ما هي نسب الخسائر، من يتحمّل ماذا، وكيف ستعاد رسملة المصارف التي ما زال العديد منها عاجزاً عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات الملاءة الدولية.
فقد بدا واضحاً أن المصارف توافق على مبدأ إعادة الهيكلة، لكن وفق آلية تضمن بقاء القطاع كما هو تقريباً، مع رساميل جديدة وتعديلات تقنية، من دون المساس بجوهر النظام التقليدي الذي انتُقد بشدة بعد 2019.
- رسالة سياسية مباشرة للدولة: “نريد شراكة، لا مشورة شكلية”:
فحين انتقل صفير للحديث عن دور جمعية المصارف في مشاريع القوانين، كان يخاطب الدولة بشكل مباشر: المصارف لن تقبل أن تكون مجرد طرف يُستشار في الشكل ويُستثنى في الجوهر.
هذه الرسالة تعكس خشية القطاع من أن تتجه الحكومة الجديدة نحو إجراءات جذرية في خطة التعافي، مثل الدمج الإجباري، شطب رساميل المصارف المتعثرة، أو اقتطاعات كبرى على كبار المودعين.
لذلك، حاول صفير أن يرسّم حدود اللعبة من الآن: المصارف تريد شراكة كاملة في صناعة القرار، لا أن تتلقى قرارات أحادية تفرض عليها وقائع غير قابلة للتعديل.
- الثقة بالعهد الجديد: مقاربة ناعمة ومنفتحة:
إعلان الثقة بالرئيس جوزاف عون، رئيس الحكومة نواف سلام، والحاكم كريم سعيد لم يكن مجرد مجاملة بروتوكولية. فهو كان يوجّه رسالة انفتاح وتعاون، آملاً في فتح صفحة جديدة بعد سنوات العداء، مراهنا، على أن الإدارة الجديدة، بما تحمله من صورة “تكنوقراطية” ومن تقاطع دولي حول دعم لبنان، يمكن أن تشكل فرصة تاريخية لإعادة بناء النظام المالي بطريقة متوازنة، بعيداً عن الكيدية السياسية التي طبعت مرحلة ما بعد الانهيار.
في الخلاصة يمكن القول إن خطاب سليم صفير هو محاولة مدروسة لإعادة تموضع القطاع المصرفي في لحظة مفصلية. فهو خطاب دفاعي في المضمون لكنه هجومي في الأسلوب، يهدف إلى:
- إعادة تعريف الأزمة.
- تثبيت موقع المصارف في الإعمار.
- فتح قناة تفاوض مع الدولة.
- استعادة جزء من الثقة المفقودة.
لكن رغم قوته الخطابية، يبقى الخطاب منقوصاً لأنه لم يتطرّق إلى محور الأزمة الأهم: مصير الودائع وتوزيع الخسائر. بدون خطة واضحة وعادلة في هذا الشأن، ستبقى كل العناوين الأخرى في إطار الكلام السياسي التفاؤلي لا أكثر.
لقد رسم صفير خريطة طريق .… لكن الطريق إلى التعافي ما زال طويلاً، محفوفاً بالتفاهمات المالية والسياسية التي لم تنضج بعد ….







