لم يعد الحديث عن القوة الجوية يقتصر على الطائرات المقاتلة أو أنظمة الدفاع الجوي. فمثلث رمادي ضخم، أقرب في ملامحه إلى منصة متحركة منه إلى طائرة، بات يعيد رسم النقاش حول مستقبل القوة الجوية الصينية. هذا المفهوم الذي يحمل اسم “لوآنياو” (Luanniao)، يقدم بوصفه حاملة طائرات محلقة في طبقات ما فوق الدفاعات الجوية، قادرة على البقاء على ارتفاعات فائقة، بعيداً عن الطقس وعن نطاق معظم الصواريخ الاعتراضية.
تبدو الفكرة للوهلة الأولى أشبه بمخطط استراتيجي أكثر منها مشروع طيران تقليدي، لكنها جزء من مشروع أشمل يحمل اسم “ننتيانمن” (Nantianmen)، يرتبط بهيئة صناعة الطيران الصينية (AVIC)، ويهدف إلى تطوير أنظمة مستقبلية تتجاوز حدود التكنولوجيا الحالية. وتعتمد فلسفة المشروع على أن الارتفاع هو الدرع الأول: إذا تعذر الوصول إلى المنصة، تصبح القدرة على إطلاق الطائرات منها ميزة استراتيجية صافية.
ما أثار اهتمام الخبراء ليس صوراً مسربة، بل الأرقام المعلنة، والتي تبدو أقرب إلى هندسة السفن من هندسة الطيران.
فالمفهوم يتحدث عن منصة بطول 242 متراً وعرض 684 متراً، وبوزن إقلاع أقصى يصل إلى 120 ألف طن. هذه الأرقام هي ما جعل مصطلح “حاملة طائرات طائرة” ملازماً لها في كل تقارير الإعلام.
ووفق ما نقلته صحيفة “The Nation Thailand”، فإن التصميم يستهدف التحليق فوق نطاق الدفاعات الجوية التقليدية، ليعمل بمثابة قاعدة جوية عائمة في طبقات الجو العليا. ويقدم المشروع كخيار بعيد المدى، لا كتطوير قد يرى النور قريباً، ما يجعله أقرب إلى “رسالة استراتيجية” بقدر ما هو مفهوم هندسي.
ويأخذ المشروع بعداً جيوسياسياً واضحاً، إذ تربطه التقارير بمناطق حساسة مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي، حيث قد يشكل وجود منصة ثابتة في السماء نوعاً جديداً من الضغط العسكري والسياسي.
88 طائرة مسيرة شبحية: السلاح الحقيقي للحاملة الطائرة
الجانب الأكثر وضوحاً في قدرات “لوآنياو” هو ما يفترض أن تحمله على متنها: 88 طائرة مسيرة قتالية تعرف باسم Xuan Nu، توصف بأنها شبحية وقادرة على حمل صواريخ فرط صوتية.
بهذا، تتحول “لوآنياو” من مجرد طائرة ضخمة إلى مصنع جوي لإطلاق أسراب قتالية، حيث تتولى المنصة دور الحاضن الثابت، فيما تتولى المسيرات مهمة الهجوم والمناورة. الفكرة هنا ليست حمولة واحدة، بل قدرة مستمرة على الإطلاق من ارتفاع لا يمكن اعتراضه عملياً.
وأفادت الصحيفة التايلاندية نقلاً عن الخبير الدفاعي بيتر لايتون قوله: “إذا أنجز بنجاح، فسوف يعمل هذا المفهوم خارج نطاق معظم أنظمة الدفاع الجوي الحالية، لأنه ببساطة يحلق خارج طبقات الطقس ومعظم منظومات الاعتراض.”
الجملة الحاسمة هي: “إذا أنجز بنجاح”، لأن كل الوعود مرهونة بإمكان بقاء المنصة في هذا الارتفاع لفترات طويلة.
حينما تصطدم الفكرة بفيزياء الطيران
كلما اتضح وزن الحاملة وحجمها، بدا السؤال الأكبر هو: كيف ستطير؟
قدر تحليل نشر في “Indian Defence Review” أن هذه الكتلة تتطلب قوة دفع تصل إلى 340 ميغانيوتن بشكل مستمر. وبالمقارنة مع محرك F135 الذي يزود مقاتلة F-35 بقدرة تبلغ 191 كيلو نيوتن، فإن المفهوم يحتاج — نظرياً — إلى أكثر من 1700 محرك من فئة F135 ليظل محلقاً.
وللمقارنة، يصل وزن الطائرة الأوكرانية الشهيرة An-225 إلى 640 طناً فقط، ما يعني أن “لوآنياو” تتطلب مضاعفة هذا الحجم بنحو 200 مرة. وحتى عند استخدام الصواريخ كمقياس للقوة الدافعة، تبقى الحقيقة أن الدفع الصاروخي مصمم للاندفاع القصير لا للطيران المستدام، ما يفتح جدلاً هندسياً واسعاً حول إمكانية التنفيذ.
وبعيداً عن المختبرات، يأخذ مشروع “ننتيانمن” بعداً جديداً باعتباره علامة تجارية جماهيرية، بعد إعلان خطة لإنشاء مجمع ترفيهي بمساحة 40 ألف متر مربع في منطقة لينغانغ في شنغهاي، تبنى حول عالم “ننتيانمن” الذي دشن عام 2017.
وبحسب “China Daily”، فإن الافتتاح العام محدد في 1 أغسطس 2027، فيما يؤكد المسؤولون أن الأعمال الرئيسية ستكتمل قبل نهاية العام. هذا التحول إلى مساحة ترفيهية يعزز فكرة أن المشروع يتطور على مسارين: مفاهيم طيران مستقبلية من جهة، وسردية شعبية موازية من جهة أخرى.
في المقابل، تتبنى مجلة “The National Interest” الأميركية قراءة أكثر تحفظاً، إذ تعتبر المشروع “مبادرة جريئة” لكن تحذر من أن أنصارها على وسائل التواصل يبالغون في قدراتها في إطار دفع دعائي، مشيرة إلى أن كثيراً مما يعرض حتى الآن يبقى “تصورات مستقبلية” لا مؤشرات على تصنيع فعلي.



