تدفع الحرب على إيران الاقتصاد العالمي نحو صدمة صناعية وتجارية أوسع من مجرد ارتفاع أسعار الخام، فيما قد يتحول إلى “أسوأ أزمة صناعية في الذاكرة الحديثة” وفقا لغرفة التجارة الدولية.
وفي الأسبوع الرابع من الحرب، بدأت الشركات تواجه قفزة في تكاليف الإنتاج والشحن والتأمين وتزايد مخاطر نقص مدخلات أساسية تدخل في صناعات تمتد من الرقائق إلى الأغذية والسيارات.
وقال الأمين العام لغرفة التجارة الدولية، جون دنتون، قبيل اجتماع وزراء منظمة التجارة العالمية في عاصمة الكاميرون، ياوندي، إن “وكالة الطاقة الدولية تحذر من أن العالم يواجه أزمة طاقة أشد من صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي”.
وأضاف: “من منظور الأعمال، نعتقد أن هذا قد يصبح أسوأ أزمة صناعية في الذاكرة الحديثة، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، ولكن لأن الإنتاج الصناعي نفسه يتعرض للاضطراب والتشوه بسبب نقص الغاز ومدخلات أساسية أخرى”.
أبعد من النفط
والنفط، المحرك الرئيسي للصناعة في العالم، يبقي أساسيا وراء اضطرابات الصناعة العالمية وفقا لتقرير نشرته أوليفر وايمان للاستشارات إدارية عالمية.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة لأنه يمر عبره نحو 20% من استهلاك السوائل النفطية عالميا، و25% من تجارة النفط المنقولة بحرا، و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وارتفع سعر خام برنت بنحو 60% خلال الحرب لتصل في ذروتها إلى 119 دولار للبرميل من 73 دولارا في 27 فبراير/شباط، وتراجعت لتصل 101 دولارات في تداولات اليوم الأربعاء، بينما صعدت العقود الآجلة للغاز في أوروبا 56% إلى 50 يورو للميغاواط/ساعة، وقفز وقود الطائرات 58%.
وتشير أوليفر وايمان إلى أن الأثر الأوسع يأتي من ثلاثة مسارات رئيسية هي الطاقة، والسلع الصناعية الأخرى، والنقل.
وإلى جانب النفط، يهدد إغلاق مضيق هرمز مواد وسيطة رئيسية للصناعة العالمية.
وبحسب التقرير، يمر أكثر من 33% من شحنات اليوريا العالمية عبر مضيق هرمز، وارتفعت أسعارها بأكثر من 26% بين 27 فبراير/شباط و11 مارس/آذار بعد إغلاق قطر أكبر منشآتها إثر هجوم بطائرة مسيرة.
كما ارتفعت أسعار الميثانول 17%، والفوسفات 4%، والكبريت 23%، والبولي إيثيلين 15%، والبولي بروبيلين 16%، والألمنيوم الأولي 9%.
وتزداد خطورة هذه القفزات لأن هذه المواد تدخل مباشرة في الزراعة والتغليف وقطع السيارات والبناء والأجهزة والمنتجات الاستهلاكية.
الهيليوم في قلب الأزمة
يبرز الهيليوم كأحد أكثر عناصر الأزمة حساسية، لأنه لا يحظى بنفس الاهتمام الذي يحظى به النفط رغم صلته المباشرة بالتكنولوجيا والطب وصناعة الرقائق الإلكترونية.
وتوفر قطر نحو 30% من الإمدادات العالمية من الهيليوم، ولكن الهجمات الإيرانية الانتقامية على دول الخليج دفعت “قطر غاز” إلى وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به في منشأة رأس لفان، وستؤدي لخفض صادرات الهيليوم السنوية من قطر 14%.
وحذّر مسؤولون كوريون جنوبيون من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يُعطّل إمدادات المواد الأساسية لتصنيع أشباه الموصلات، والتي تُستورد من الشرق الأوسط، بما في ذلك الهيليوم، الضروري لإنتاج الرقائق الإلكترونية والذي لا بديل عملي له في عملية تبريدها أثناء الإنتاج.
ويستخدم الهيليوم في تصنيع أشباه الموصلات، وأيضا في التصوير بالرنين المغناطيسي، والألياف الضوئية، واللحام، وعمليات إطلاق الصواريخ.
وألحقت غارات الطائرات المسيّرة الإيرانية أضرارًا ببعض مراكز بيانات أمازون في الإمارات والبحرين، مهددة توسّع شركات التكنولوجيا الكبرى في المنطقة والذي تسارع بشكل قياسي خلال السنوات الماضية.
ضربة للذكاء الاصطناعي
وتضرب الحرب في إيران الشروط الأساسية التي بُنيت عليها طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، الذي ينمو سريعا ليصبح أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، وبينها الاستثمارات القياسية وسلامة سلاسل الإمداد وحركة الشحن وخاصة للهيليوم.
ففي الولايات المتحدة، ارتفعت استثمارات مراكز البيانات لتبلغ 40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في الأرباع الثلاثة الأولى من العام الماضي.
كما التزمت شركات التكنولوجيا بنحو 1.5 تريليون دولار لإنفاق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لكن هذا الرهان كان قائمًا على افتراض أن الإمداد العالمي سيظل يعمل بكفاءة.
كما يعتمد نمو القطاع علي حركة شحن مستقرة وقابلة للتنبؤ، وفقا لجامعة جورجتاون التي أوردت في بحث لها أن إنتاج شريحة كمبيوتر واحدة غالبًا ما يتطلب أكثر من 1,000 خطوة تصنيع، وهي عملية دولية تطلب عبور الحدود الدولية 70 مرة أو أكثر قبل أن تصل إلى العميل النهائي.
شحنات معطلة
في قطاع النقل، بدأت الحرب بالفعل في تغيير مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا.
وأعادت “ميرسك” توجيه سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، وعلقت المرور عبر مضيق هرمز “حتى إشعار آخر”، ما أضاف بين 8 و15 يوما إلى زمن عبور الحاويات بين آسيا وأوروبا، بحسب أوليفر وايمان.
وفرضت “CMA CGM” رسوما طارئة شملت 2,000 دولار على الحاوية قياس 20 قدما لبعض الشحنات في الشرق الأوسط اعتبارا من 28 فبراير/شباط، ثم أضافت رسوما على الوقود في 16 مارس/آذار، رفعت تكلفة الحاوية قياس 40 قدما بما يعادل 11% إلى 14% فوق الأسعار الأساسية.
كما أدى تعطل حركة الطيران في دبي إلى تأخير وإلغاء رحلات وإعادة توجيه شحنات من جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية وأوقيانوسيا عبر الصين وهونغ كونغ.
ركود وشيك
ووفقا للخبراء سينعكس تراجع الصناعة بشكل حتمي على وضع الاقتصاد العالمي، الذي يعاني تعافيا خافتا خلال السنوات الماضية من أزمة كوفيد-19 قبل 5 سنوات.
وقال كبير اقتصاديي الأعمال في ستاندرد آند بورز “S&P Global Market Intelligence”، كريس ويليامسون، إن “بيانات مؤشر مديري المشتريات الأولية لشهر مارس تشير إلى مزيج غير مرحب به من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط”.
وأضاف أن الشركات “تبلغ عن ضربة للطلب من جراء عدم اليقين الإضافي وأثر تكلفة المعيشة الذي ولده الصراع”.
وانخفض مؤشر “S&P Global” المركب للإنتاج في القطاع الخاص بالولايات المتحدة إلى 51.4 في مارس/آذار من 51.9 في فبراير/شباط، وهو أدنى مستوى في 11 شهرا، بينما قفز مؤشر أسعار المدخلات إلى 63.2 من 60.0، مع ربط الزيادة على نطاق واسع بارتفاع تكاليف الطاقة وتشدد أوضاع الإمداد.
قطاع السيارات
ومن بين أبرز القطاعات المتضررة عالميا صناعة السيارات البالغ حجمه 2.75 تريليون دولار.
وقال تقرير لـ”S&P Global Mobility”: “مدة الحرب هي العامل الحاسم، مع آثار محتملة تتراوح من اضطرابات فورية في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الوقود إلى تحولات طويلة الأجل في إنتاج المركبات وطلب المستهلكين نحو المركبات الكهربائية”.
وتشير شركة بيرنشتاين إلى عدة أسواق قد تمني بالخسائر الأكبر، وعلى رأسها شركات صناعة السيارات الآسيوية مثل تويوتا وهيونداي وشيري الصينية، وهي أكبر شركات تصنيع السيارات التي تخدم منطقة الشرق الأوسط، حيث بيع 3 ملايين سيارة جديدة في عام 2025.
وذكرت بيرنشتاين: “تستحوذ تويوتا وهيونداي وشيري على 17% و10% و5% من مبيعات السيارات في الشرق الأوسط على التوالي”.
أما في السوق الأوروبية، فيبدو أن شركة ستيلانتيس هي الأكثر حضوراً في السوق الشرق أوسطية، ولكن المتضرر الأكبر قد يكون شركات صناعة السيارات الفاخرة.
على سبيل المثال، شحنت فيراري الإيطالية 626 سيارة إلى الشرق الأوسط عام 2025، شملت بشكل رئيسي الإمارات والسعودية والبحرين ولبنان وقطر وعُمان والكويت.
قالت بيرنشتاين: “يمثل هذا 4.6% من إجمالي شحنات فيراري العالمية”، إذ يتركز عملاء فيراري الأثرياء في الشرق الأوسط.



