لم يكن المشهد غريباً داخل مقر بنك “إم باير ميرشانت” قرب بحيرة زيورخ، فمع كل صفقة ينجح في اقتناصها، كان الشريك المؤسس بول ميشيل فون ميري يشق طريقه عبر المكتب المفتوح حاملاً جرس بقرة سويسرية ويقرعه بصوت مدو احتفالاً بعمولة جديدة من ستة أرقام.
لكن خلف هذه الطقوس الصاخبة كانت تدار واحدة من أغلى خدمات تحويل الأموال في القطاع المصرفي السويسري، إذ كان البنك يفرض على بعض العملاء رسوماً تصل إلى عشرة أضعاف المعدلات المتعارف عليها، خصوصاً في التحويلات التي تتجنبها البنوك التقليدية، بحسب ما نقلته “بلومبرغ” عن مصادر، واطلعت عليه “العربية Business”.
ورغم تصنيف البنك العام الماضي ضمن “الأكثر ازدهاراً” في سويسرا، فإن نهايته كانت تقترب سريعاً. إذ تحولت شبهة تسهيله لعمليات غسل أموال إلى قضية دولية انتهت بتدخل مباشر من وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي أجبر البنك على الإغلاق عشية تصاعد التوترات مع إيران أواخر الشهر الماضي.
وقال بيسنت: “حول MBaer أكثر من 100 مليون دولار عبر النظام المالي الأميركي لصالح جهات مرتبطة بإيران وروسيا”. التهديد بفصله عن النظام المالي الأميركي كان كافياً لكسر معارضة البنك القانونية لقرار الهيئة المنظمة السويسرية “Finma” بتصفيته.
تمكن البنك السويسري الصغير لسنوات من العمل تحت الرادار، بينما وفق السلطات الأميركية، فقد اعتبرته متواطئاً بشكل محتمل في عمليات غسل أموال مرتبطة بإيران وروسيا وفنزويلا. النهاية الصادمة وجهت ضربة جديدة لجهود سويسرا طويلة الأمد لإصلاح سمعة مركزها المالي.
من إرث مصرفي عريق إلى علاقات عالية الخطورة
أسس البنك كل من مايك باير، الوريث لعائلة مصرفية تعود جذورها إلى 1890، وبول فون ميري عام 2018. استغل باير – الذي شغل مناصب بارزة في بنك عائلته جوليوس باير – اسمه العريق لجذب العملاء، بينما توسع البنك سريعاً حتى بلغت أصول عملائه 4.9 مليار فرنك سويسري بنهاية 2025، مع نحو 700 عميل و60 موظفاً.
صغر حجم البنك وضعه في البداية ضمن فئة “منخفض المخاطر” لدى “Finma”، ما يعني إشرافاً تنظيمياً أقل تشدداً. لكن ثقافة “الحرية المطلقة” التي كانت تميز القطاع المصرفي السويسري قبل حملات مكافحة التهرب الضريبي الأميركية عادت للظهور داخله، وفق شهود.
وبحلول 2020 بدأ اسم البنك يثير الشبهات داخل “FinCEN” التابعة لوزارة الخزانة الأميركية، بعد رصد تعاملات مرتبطة بفنزويلا. لاحقاً، اتهم البنك بتسهيل تمويل عمليات روسية وتحركات مالية إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري، بما في ذلك تحويل عائدات نفط إلى طهران.
وتشير وثيقة لـ “FinCEN” إلى أن البنك “قدم وصولاً للنظام المالي الأميركي لأشخاص يدعمون عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب المرتبطة بإيران”.
شبكات تهريب نفط وتمويل للحرس الثوري
تتعلق واحدة من أبرز الاتهامات بسلسلة تحويلات بلغت 37 مليون دولار لصالح شركة “Turkoca Import Export Transit”، وهي كيان مصنف أميركياً كواجهة يستخدمها “فيلق القدس” في غسل الأموال وتمويل عمليات إيران الخارجية، بحسب “بلومبرغ”.
هذه التحويلات تمت في شكل مبالغ دائرية كبيرة، وهي نمط كلاسيكي يرفع علامات خطر فورية لدى المصارف.
رغم استفادة البنك من رسوم مرتفعة، حاول بعض الموظفين دق ناقوس الخطر بشأن ثغرات تشغيلية كبيرة وآليات رقابة ضعيفة. إلا أن هؤلاء واجهوا، بحسب “بلومبرغ”، عراقيل داخلية وضغوطاً أدت إلى خلق ثقافة “خوف وصمت”، دفعت البعض إما إلى المغادرة أو التوقف عن الإبلاغ عن المخالفات.
وفي 2024 كلفت عضوة مجلس الإدارة حينها، بيغنيا فييلي، مكتب محاماة بإجراء مراجعة داخلية كشفت مخاطر نظامية واسعة، واقترحت أن يبادر البنك إلى إبلاغ “Finma”. لكن شيئاً لم يتغير، وظلت المكافآت تصرف للإدارة العليا.
أطلقت الهيئة الرقابية المالية في سويسرا “Finma” إجراءات إنفاذ رسمية في 2024، وكشفت لاحقاً أن 98% من أصول العملاء الحديثة جاءت من “مصادر عالية المخاطر”. واتهمت البنك ب”الفشل المنهجي” في فحص خلفيات العملاء وبمساعدة بعضهم في تجاوز تجميد أصولهم.
لكن في النظام السويسري، يمكن للطعن القانوني أن يوقف التنفيذ لسنوات طويلة. هذا ما فعله MBaer، ما سمح له بمواصلة العمل حتى 2026.
كل ذلك انتهى عندما تدخلت الخزانة الأميركية، مهددةً بعزل البنك عن النظام المالي العالمي.
إغلاق فوري.. وانهيار داخلي
في 9 شباط، حاولت الرئيسة التنفيذية أنيت فيهفيغ تهدئة الموظفين، مؤكدة أن البنك سيواصل معركته القانونية. إلا أن المفاوضات مع “Finma” انهارت بعد خلاف حول إدراج كلمة “غسل أموال” في بيان الإغلاق.
وبعد تدخل واشنطن، سحب البنك طعنه، ودخل قرار التصفية حيز التنفيذ في 27 فبراير.
غادر كل من فون ميري ومايك باير المشهد، بينما أبلغ الموظفون بأن ما يصل إلى 25 وظيفة سيتم الاستغناء عنها. كما فتحت “Finma” تحقيقات ضد أربعة مسؤولين سابقين في البنك.
أما عملاء البنك “عالي المخاطر”، فلا يجدون اليوم أي مؤسسة سويسرية مستعدة لفتح حسابات لهم، وهو ما قد يبقي أموالهم معلقة لسنوات.
انعكاسات على سويسرا.. النظام ما زال هشاً
تأتي هذه القضية بينما تحاول سويسرا تحديث قوانينها المالية بعد أزمة “كريدي سويس” عام 2023، وتعزيز صلاحيات “Finma”. لكن عجز الهيئة عن تنفيذ قراراتها دون دعم خارجي أثار انتقادات، أبرزها من الخبير القانوني السويسري مارك بيث: “الأميركيون اضطروا للتدخل ووضعوا المسدس على صدورهم… ما زالت سويسرا مركزاً مالياً يشجع المماطلة القانونية تحت ذريعة إجراءات التقاضي”.





