عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية تُقاس بنتائجها على الأرض، بل أصبحت منظومات اقتصادية متكاملة تُدار خلف الكواليس بقدر ما تُخاض في الميدان. وفي قلب هذا المشهد المعقّد، يبرز التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل كنموذج واضح لاقتصاد حرب يتجاوز مفهوم الربح والخسارة التقليدي، ليصل إلى إعادة تشكيل موازين القوى العالمية عبر المال والطاقة والسلاح.
ففي الوقت الذي تُدمّر فيه البنى التحتية وتُستنزف الموارد في ساحات الصراع، تتحرك في الخلفية ديناميات اقتصادية هائلة، تجعل من الحرب فرصة غير معلنة لقطاعات كاملة. الولايات المتحدة، بصفتها قوة عسكرية واقتصادية كبرى، تمتلك قدرة استثنائية على تحويل التوترات إلى مكاسب، خصوصاً في مجالات الصناعات الدفاعية والطاقة. فشركات السلاح العملاقة مثل Lockheed Martin وRTX Corporation وNorthrop Grumman تستفيد مباشرة من تصاعد النزاعات، حيث ترتفع الطلبيات العسكرية وتُبرم صفقات بمليارات الدولارات، سواء لتسليح الحلفاء أو لإعادة ملء المخزونات بعد كل جولة تصعيد. وتؤكد تقارير Stockholm International Peace Research Institute أن الإنفاق العسكري العالمي يشهد ارتفاعاً مستمراً منذ سنوات، مدفوعاً بتنامي الأزمات الإقليمية والدولية.
بالتوازي، تلعب الطاقة دوراً محورياً في هذا الاقتصاد الخفي. فكل توتر في الخليج، وخاصة ما يتعلق بالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، ينعكس فوراً على أسعار النفط، ما يمنح الدول المنتجة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فرصة لتحقيق عوائد إضافية. وتشير بيانات International Energy Agency إلى أن أسواق النفط تبقى شديدة الحساسية لأي اضطراب في الشرق الأوسط، حيث يكفي تهديد الإمدادات لرفع الأسعار عالمياً. أما في سوق الغاز، فقد برزت واشنطن لاعباً أساسياً بعد التحولات التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، إذ دفعت الحاجة الأوروبية للبحث عن بدائل إلى زيادة الاعتماد على الغاز الأمريكي، وفق معطيات U.S. Energy Information Administration، ما عزّز موقعها كمصدّر رئيسي للطاقة.
في المقابل، تعتمد إيران نهجاً مختلفاً يقوم على الصمود والالتفاف على الضغوط. فالعقوبات الاقتصادية التي تواجهها منذ سنوات دفعتها إلى تطوير أساليب بديلة للحفاظ على تدفق مواردها، سواء عبر قنوات غير مباشرة لتصدير النفط أو من خلال توسيع شراكاتها مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا. كما أن اعتمادها على استراتيجيات غير تقليدية في إدارة الصراع، عبر حلفاء إقليميين وأدوات نفوذ غير مباشرة، يمنحها قدرة على الاستمرار في المواجهة بأقل كلفة ممكنة، مع الحفاظ على أوراق ضغط فعّالة في الإقليم.
أما إسرائيل، فتقدّم نموذجاً مختلفاً حيث يتحوّل الأمن ذاته إلى قطاع اقتصادي متكامل. فبفضل دعم الولايات المتحدة وتفوقها التكنولوجي، نجحت في بناء صناعة دفاعية متقدمة تُصدّر تقنياتها إلى العالم، من أنظمة الدفاع الجوي إلى الطائرات المسيّرة وتقنيات المراقبة. ويُعد نظام القبة الحديدية مثالاً بارزاً على هذا التداخل بين الأمن والاقتصاد، حيث يجمع بين الحاجة الدفاعية والعائد المالي والتفوق الاستراتيجي.
وسط هذا المشهد، تبدو المفارقة صارخة: فبينما تحقق الدول والشركات أرباحاً ضخمة، تتحمّل الشعوب كلفة الحرب الحقيقية، سواء من خلال الخسائر البشرية أو الأزمات الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم العالمي. فاقتصاد الحرب لا يخلق ثروة جديدة بقدر ما يعيد توزيعها، غالباً على حساب الفئات الأضعف والدول الأكثر هشاشة.
في النهاية، لم يعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية قائمة بذاتها، تُغذّيها المصالح المتشابكة وتُطيل أمدها حسابات الربح والخسارة. وهنا يكمن السؤال الأعمق: إذا كانت الحرب تدرّ كل هذه المكاسب، فهل يصبح إنهاؤها قراراً سياسياً صعباً، أم خياراً يتعارض مع مصالح من يستفيدون من استمرارها؟







