ناجي الخوري
في لحظةٍ تبدو للوهلة الأولى صادمة وخارجة عن السياق التقليدي لأزمات أميركا اللاتينية، جاء التطور المرتبط بالعملية الأميركية في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ليفتح بابًا واسعًا أمام قراءات تتجاوز منطق “الديمقراطية وحقوق الإنسان” الذي غالبًا ما يُستخدم كعنوانٍ جاهز للتدخلات الأميركية.
فالمشهد، عند تفكيكه بهدوء، يوحي بأن ما جرى ليس حدثًا معزولًا ولا ردّة فعل ظرفية، بل حلقة متقدمة في صراع دولي آخذ في التحول من حروب النفط إلى حروب المعادن، ومن السيطرة على منابع الطاقة التقليدية إلى إحكام القبضة على مفاتيح الانتقال الطاقوي العالمي.
لقد اعتادت الولايات المتحدة، تاريخيًا، التعامل مع فنزويلا بوصفها خزان نفطي استراتيجي، وملفًا سياسيًا شائكًا في خاصرتها الجنوبية. لكن التحولات البنيوية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وخصوصًا مع تسارع الثورة التكنولوجية والانتقال نحو الطاقة النظيفة، أعادت رسم سلّم الأولويات الأميركية.
فالنفط لم يعد وحده هو الجائزة الكبرى، بل برز الليثيوم، “الذهب الأبيض”، بوصفه المورد الأكثر حساسية في معركة النفوذ المقبلة، كونه يدخل في صلب صناعة البطاريات، والسيارات الكهربائية، وتخزين الطاقة، وحتى التطبيقات العسكرية المتقدمة.
من هذا المنطلق، يصبح من الصعب فصل أي تحرك أميركي واسع في أميركا اللاتينية عن هاجس تأمين سلاسل الإمداد الخاصة بالمعادن النادرة، وفي مقدّمها الليثيوم. فالولايات المتحدة، التي وجدت نفسها خلال العقد الأخير أمام تمدد صيني غير مسبوق في أسواق المعادن والمواد الخام، باتت تعتبر أن أمنها القومي لم يعد يُهدَّد فقط بالصواريخ أو الجيوش، بل أيضًا بالتحكم في الموارد التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. هنا تحديدًا، تبرز أميركا اللاتينية كجبهة مركزية في هذا الصراع الصامت.
صحيح أن فنزويلا لا تُصنّف تقليديًا ضمن “مثلث الليثيوم” الشهير الذي يضم بوليفيا وتشيلي والأرجنتين، لكنها تشكّل حجر زاوية جيوسياسي في معادلة النفوذ الإقليمي. فالدولة التي لطالما كانت حليفًا استراتيجيًا لروسيا والصين وإيران، تحولت خلال السنوات الماضية إلى منصة سياسية واقتصادية لتغلغل هذه القوى في قلب القارة الأميركية.
بالتالي، فإن أي تغيير جذري في بنية الحكم في كاراكاس لا يمكن قراءته فقط كتصحيح لمسار داخلي، بل كخطوة تهدف إلى إعادة ضبط التوازنات الإقليمية بما يخدم الاستراتيجية الأميركية الأشمل.
الأهم من ذلك، أن واشنطن لم تعد تكتفي بإزاحة خصم سياسي هنا أو فرض عقوبات هناك، بل باتت تسعى إلى إعادة هندسة الأنظمة الحاكمة بطريقة تجعلها أكثر انسجامًا مع متطلبات الاقتصاد العالمي الجديد.
فالمطلوب اليوم ليس مجرد فتح الأسواق أمام الشركات الأميركية، بل ضمان أن تكون التشريعات، والحوكمة، والبيئة السياسية برمتها قابلة لاستيعاب استثمارات طويلة الأمد في قطاعات استراتيجية مثل الليثيوم، بعيدًا عن منطق التأميم، أو الشراكات الحصرية مع الصين وروسيا.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى فنزويلا كنموذج تحذيري أكثر منها هدفًا نهائيًا. فالمشهد الفنزويلي يوجّه رسائل واضحة إلى دول أخرى في المنطقة تمتلك احتياطات ضخمة من الليثيوم، وعلى رأسها بوليفيا التي ما زالت تصر على سياسات سيادية صارمة في إدارة هذا المورد، وتشيلي التي تعيش نقاشًا داخليًا حادًا حول دور الدولة والقطاع الخاص في هذا القطاع.
هكذا تبدو الرسالة واضحة، وشيفرتها مفككة، خلاصتها أن الموارد الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين لم تعد مسألة داخلية بحتة، بل جزءًا من معادلة الأمن القومي العالمي.
عليه، فإن الربط بين العملية الأميركية في فنزويلا وملف الليثيوم ليس ضربًا من نظرية المؤامرة، بل قراءة واقعية لمسار دولي يتجه نحو عسكرة الاقتصاد، وتسييس الموارد، وتحويل المعادن النادرة إلى أدوات ضغط ونفوذ لا تقل خطورة عن القواعد العسكرية.
فما جرى مع مادورو، في هذا الإطار، قد لا يكون سوى بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، ليس على قاعدة الأيديولوجيا، بل على قاعدة من يملك مفاتيح المستقبل الطاقوي للعالم.







