ناجي الخوري
في التحولات الكبرى للأسواق العالمية لا تُرفع الأعلام فجأة، بل تتبدّل موازين القوة بصمتٍ تدريجي، قبل أن يفرض الواقع نفسه. هذا تمامًا ما يحدث اليوم في سوق الذهب العالمي. فالمعدن الذي ظلّ لعقود يُدار من الغرب، تسعيرًا وتداولًا وتمويلًا، بدأ يشهد انتقالًا متسارعًا في مركز ثقله نحو الشرق، حيث يتعاظم الطلب الفعلي، وتتراكم الاحتياطيات، وتُعاد صياغة قواعد اللعبة.
تاريخيا شكّلت “London Bullion Market Association” في لندن المرجعية الأساسية لتجارة الذهب عالميًا، من خلال سوق التداول خارج البورصة، الذي استحوذ تاريخيًا على نحو ٧٠% من أحجام التداول العالمية. كما لعبت عقود الذهب الآجلة في بورصة كومكس التابعة لـ “CME Group” في نيويورك دورًا محوريًا في التسعير، خصوصًا في الجانب المالي والمضاربي من السوق.
تفوق غربي، ارتكز على البنية المصرفية العميقة وهيمنة الدولار، بدأ يفقد احتكاره تدريجيًا مع صعود آسيا كلاعب أول في الطلب الفعلي.
اليوم، تستحوذ الصين والهند وحدهما على ما يقارب ٥٠ % من الطلب الاستهلاكي العالمي على الذهب، سواء في المجوهرات أو السبائك والعملات الاستثمارية. رقم ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس تحوّلًا هيكليًا في مركز الثقل الحقيقي للسوق. فبينما تراجع الطلب الغربي في السنوات الأخيرة بفعل تباطؤ النمو وارتفاع الفوائد، ظلّ الطلب الآسيوي مدفوعًا بعوامل ثقافية واستثمارية وديموغرافية، إضافة إلى رغبة متزايدة في التحوّط من تقلبات العملات.
في هذا السياق، برزت “Shanghai Gold Exchange” كلاعب مؤثر يتجاوز حدود السوق المحلية. فالبورصة الصينية لا تكتفي بتوفير منصة تداول، بل تعتمد نموذجًا يرتكز على التسليم الفعلي للمعدن، خلافًا لجزء كبير من التداولات الورقية في الأسواق الغربية. هذا الفارق يعزز الطلب الحقيقي على الذهب المادي، ويحدّ من الفجوة بين الأسعار النظرية والكميات المتاحة فعليًا. ومع توسّع التداول خلال ساعات العمل الآسيوية، باتت تحركات الأسعار تُصاغ في الشرق قبل أن تتفاعل معها الأسواق الغربية.
اتجاه، تعززه الأرقام، اذ سجلت البنوك المركزية،خصوصًا في الاقتصادات الناشئة، خلال عامي ٢٠٢٤ – ٢٠٢٥، مستويات قياسية من شراء الذهب، في مسعى واضح لتنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الأصول المقومة بالدولار. على سبيل المثال، واصلت الصين، تعزيز احتياطياتها الرسمية، في حين رفعت الهند ودول آسيوية أخرى مشترياتها كجزء من استراتيجية تحوّط طويلة الأجل. سلوك رسمي يتقاطع مع سلوك المستثمرين الأفراد في آسيا، الذين ضاعفوا استثماراتهم في السبائك والصناديق المتداولة المدعومة بالذهب.
غير ان هذا التحول لم يقتصر على الطلب فقط. فحجم التداول في المشتقات المرتبطة بالذهب في البورصات الآسيوية شهد نموًا لافتًا، ما يعكس تطور البنية المالية في الشرق وقدرتها على استيعاب أدوات التحوط وإدارة المخاطر التي كانت حكرًا على المراكز الغربية. ومع توسع السيولة في هذه الأسواق، تزداد قدرتها على التأثير في اتجاهات الأسعار العالمية.
من زاوية أوسع، يعكس انتقال “عاصمة الذهب” تحوّلًا جيوسياسيًا أعمق في النظام المالي الدولي. فالتوترات الجيوسياسية، والعقوبات الاقتصادية، والتقلبات المتكررة في السياسات النقدية الغربية، دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في توزيع أصولها الاحتياطية، حيث عاد الذهب، بصفته أصلًا غير مرتبط بالتزامات سيادية مباشرة، ليحتل موقعًا مركزيًا في استراتيجيات إدارة المخاطر.
ومع كون الجزء الأكبر من الطلب الجديد يأتي من الشرق، يصبح طبيعيًا أن ينتقل مركز القرار تدريجيًا إلى حيث توجد الكتلة الشرائية الأكبر.
أكيد، لا يعني ما تقدم، أن لندن أو نيويورك خرجتا من المعادلة، فالبنية المالية الغربية ما زالت عميقة ومتشعبة، والدولار لا يزال العملة المرجعية الأولى عالميًا. غير أن ما يتغير هو طبيعة التوازن: لم يعد الغرب اللاعب الأوحد في تحديد مسار الذهب، بل بات شريكًا في سوق أكثر تعددية، تتقاسم فيه آسيا دور القيادة.
عليه، ما نشهده اليوم ليس مجرد تبدّل جغرافي في مواقع التداول، بل إعادة رسم لخريطة القوة في أحد أقدم الأسواق المالية في التاريخ. فالذهب، الذي شهد على صعود إمبراطوريات وسقوط أخرى، يعكس اليوم تحوّلًا اقتصاديًا استراتيجيًا: من مركزية غربية استمرت لعقود، إلى مشهد عالمي أكثر توازنًا تميل كفته تدريجيًا نحو الشرق.
ففي عالم تتغير فيه موازين القوة الاقتصادية، يبدو أن المعدن الأصفر سبق الجميع في إعلان اتجاه الرياح، أقله راهنا، وان شكلا.







