
ناجي الخوري
في جلسات المصارحة التي يعقدها السفراء مع عدد من اصدقائهم من المسؤولين اللبنانيين من مختلف المستويات، يبدو جليا الاستياء والخشية من احتمال تطيير الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، نتيجة المماطلة والتسويف، وسط رهان البعض المبني على فهم خاطئ لما تحدثت عنه مساعدة المبعوث الاميركي الى المنطقة، مورغان اورتاغوس، من قطر، عن بدائل وخطط تقوم على ضخ استثمارات في الاقتصاد اللبناني.
فالمشكلة ليست فقط أن الخيبة بدأت تتسلل إلى نفوس اللبنانيين بل إلى الدول المعنية والمساندة للبنان، وهي مرفقة باستياء من كثافة الأعذار وقلة الخطوات المنجزة.ففي نهاية المطاف ستخاطب الدول الفاعلة والمؤثرة لبنان بالقول: مبروك عليكم إدمانكم التأخير والبطء واللامبالاة، لكن لن يساعدكم أحد إن لم تساعدوا أنفسكم.
من هنا يرى المتابعون انه ما لم يسارع كل من مجلسي النواب والوزراء الى كسر حلقة المراوحة والبدء جديا بورشة الاصلاحات، التي ناقشها بتفاصيلها وفد صندوق النقد بالامس في بيروت، مع وزير المالية، والسفير السعودي، حيث توقف الوفد عند ما تحقق من تقدم، في ظل مراعاة محميات من هنا ومصالح من هناك، فيما المطلوب ضمانة لبنانية بتسديد الديون، ومؤسسات مستقيمة ودولة قادرة على جذب الاستثمارات.
فما الذي تحقق منذ عودة الوفد اللبناني من اجتماعات الربيع في واشنطن؟ وما الذي اكتشفه صندوق النقد؟
وفقا لمصادر متابعة، الاجابة لن تكون سهلة، اذ منذ اقرار قانون السرية المصرفية، وفقا لصيغة قريبة الى حد كبير من تلك التي طلبها صندوق النقد الدولي، لم تسجل اي خطوات جدية تذكر على صعيد الاصلاحات. فمشروع قانون هيكلة المصارف عالق في نقاشات اللجان، واعتراضات حاكم مصرف لبنان، الذي اخذ على عاتقه الدفاع عن صلاحيات الحاكم “المسيحي” متمسكا بها كاملة، فيما ثمة من يسعى لقضم بعضها مواربة والتفافا، كذلك صندوق النقد الذي قدم سلسلة من الملاحظات التي تنسف جوهر مشروع القانون الموجود في المجلس، رغن ام ثمة من يقول ان صندوق النقد سبق ووافق على الصيغة المطروحة. فمن يلعب على من؟ ومن يحاول توريط من؟
اما بالنسبة للحكومة، وقانون الفجوة المالية، فان الوضع ليس بحال أفضل. فوفقا لمصادر نيابية، تلقت الحكومة، قبل أيام من صندوق النقد، تشخيصا متكاملا حول الحوكمة، ومكامن الفساد، عرض بوضوح الخلل القائم في عدد من القطاعات والمؤسسات والادارات المختلفة من الجمارك وادارة المالية العامة ومصرف لبنان وغيرها، مقدما اقتراحات واضحة لسد الثغرات، التي يعتبر الالتزام بها شرطا اساسيا لتوقيع اي اتفاق مع الصندوق.
وكجزء من الاصلاح المتوقع، تراقب الجهات الخارجية التعيينات الادارية، ومن ابرزها بعد حاكمية مصرف لبنان، مجلس ادارة مجلس الانماء والاعماء، الذي سيشكل مدخلا اساسيا لحصول لبنان على اي تمويل خارجي لاعادة الاعمار كونه شرط اصلاحي لضمان ادارة الاموال في مشاريع البنى التحتية، لتاتي النتيجة، مخيبة للامال، وفقا لمرجعية دبلوماسية في بيروت، متحدثة عن مجموعة من المآخذ تتقاطع مع ما تم تداوله.
فقد جاءت التعيينات الاخيرة، لتطرح اكثر من علامة استفهام، من تسريبات الاسماء قبل جلسة مجلس الوزراء، التي يفترض ان يختار فيها الوزراء الاعضاء، ما دل على ان منطق المحاصصة لا يزال قائما، الى علامات الاستفهام والتساؤلات حول مدى جدية هذه آلية التعيينات.
اذا بخطى بطيئة تسير الحكومة من دون احداث صدمة ايجابية، هي التي من المفترض ان تصارع الوقت قبل انتهاء ولايتها بعد الانتخابات في ٢٠٢٦. فحالها لا يختلف عن حال مجلس النواب الذي يصارع في الاتجاه المعاكس، مبعدا عنه كأس اقرار قانون هيكلة المصارف، والقانون الاخطر المرتبط به لجهة تحديد الفجوة المالية وتوزيع الخسائر، الذي يطال مباشرة اموال الموديعين ومصالح المصارف، هو اخطر من ان يتجرأ النواب على اقراره عشية الانتخابات النيابية.
عليه واضح ان التعامل مع الورشة الاصلاحية، التي باتت تهم الخارج بقدر اهتمامه بموضوع السلاح وسحبه، هي الاخرى موضوعة على نار هادئة جدا، في المجلس النيابي كما في مجلس الوزراء، تحت الحجج والذرائع نفسها.
فهل ستدرك السلطة اللبنانية ماذا اقترفت تقترف ايديها؟
الاستحقاقات تتخذ صفة المعجل، والمعالجات تتخذ صفة المؤجل، والسبب أسباب: لا قيمة للوقت، ثقافة التأخير، البطء المستشري، روتين قاتل، مواجهة الذكاء الاصطناعي بالغباء الطبيعي.


