في ربيع العام الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من حديقة البيت الأبيض، وأمام أعلام بلاده، حرباً مفتوحة على التجارة الحرة. وبعد مرور 9 أشهر، لم ينهار النظام التجاري العالمي كما توقع البعض، بل أعاد رسم حدوده وقواعده.
قلصت الولايات المتحدة وارداتها المباشرة من الصين، لكنها زادت مشترياتها من مصانع مملوكة للصينيين في دول ذات رسوم أقل مثل فيتنام. في المقابل، كثّفت بكين صادراتها إلى بقية العالم، خصوصاً السلع منخفضة التكلفة إلى أوروبا، فيما دفعت قبضتها على المعادن النادرة دولاً عدة للبحث عن بدائل لتأمين المواد الخام الحيوية لصناعة السيارات والإلكترونيات.
خرجت المكسيك رابحة من هذه الحرب، بينما دفع المستهلك الأميركي الثمن عبر ارتفاع أسعار اللحوم والموز والقهوة، وتسببت التهديدات بفرض رسوم على الأدوية في إبرام اتفاقات جديدة لخفض أسعار العقاقير. أما صناعة النبيذ في كاليفورنيا، فدخلت في أزمة بسبب مقاطعة كندية للمشروبات الأميركية.
ورغم كل ذلك، تشير توقعات منظمة التجارة العالمية إلى أن حجم التجارة العالمية سينهي العام بزيادة قدرها 2.4%.
قال المدير التنفيذي في شركة “DHL” مايك بارا: “التجارة تشبه الماء، تجد طريقها دائماً”، وأضاف “يمكن لأي دولة أن تغيّر قواعدها، لكن التجارة ستلتف حولها”.
رصدت صحيفة “وول ستريت جورنال” 6 قصص تكشف كيف تكيفت شركات وأشخاص مع قواعد اللعبة الجديدة في اقتصاد عالمي متغير.
نيسان تراهن على أميركا
قررت شركة نيسان، التي تمتلك مصانع في 5 قارات، مواجهة الرسوم الجمركية عبر تعزيز إنتاجها داخل الولايات المتحدة. فقد رفعت إنتاج سيارات Rogue SUV في ولاية تينيسي، وروّجت لطرازات تُصنع محلياً مثل “Pathfinder” و”Frontier”، على حساب الواردات من المكسيك.
قال المدير المالي للشركة، جيريمي بابين، إن هناك خطة واضحة لوضع ميزانيات تسويقية خلف السيارات المنتجة في أميركا. مشيراً إلى أن الشركة تدرس تصنيع الجيل الجديد من سيارات Infiniti في أميركا بدلاً من المكسيك، وتتفاوض مع شركات يابانية أخرى لاستغلال الطاقة الإنتاجية الفائضة لديها.
قطاع السيارات كان من أكثر المتضررين، إذ تكبّدت الشركات الكبرى نحو 12 مليار دولار إضافية بسبب الرسوم. ومع ذلك، لم ترفع الأسعار بشكل كبير، إذ بلغ متوسط سعر السيارة الجديدة في نوفمبر أقل من 50 ألف دولار، بزيادة طفيفة قدرها 1.3%.
صناعة الأثاث الأوروبية تحت ضغط صيني
تواجه شركة “Gautier” الفرنسية، التي اشتهرت بصناعة أسرّة الأطفال على شكل سيارات وصواريخ، تحدياً مزدوجاً، متمثلاً في الرسوم الأميركية التي قلّصت صادراتها، فيما أغرقت المصانع الصينية السوق الأوروبية بمنتجات رخيصة بعد فرض واشنطن رسوماً وصلت إلى 70% على الأثاث الصيني.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة، ديفيد سولار: “المنتجات الصينية تغزو أسواقنا. منصات التجارة الإلكترونية مثل Shein وTemu زادت المنافسة عبر بيع أثاث منخفض السعر مباشرة للمستهلكين”.
رد الشركة كان بالتركيز على المشاريع عالية القيمة مثل تجهيز الفنادق والمكاتب، واستهداف أسواق جديدة في السعودية ودبي وأفريقيا.
الروبيان الأميركي ينتعش والهندي يترنح
من خليج المكسيك إلى سواحل الأطلسي، يحتفل الصيادون الأميركيون بارتفاع أسعار الروبيان بفضل الرسوم الجمركية، فيما يعيش المنتجون في الهند أزمة خانقة.
قالت شيري بلانشارد، التي تدير مع زوجها نشاط صيد في لويزيانا: “عندما نسمع كلمة رسوم، نصغي جيداً”. فقد ارتفع سعر الرطل من الروبيان إلى 1.25 دولار مقابل 87 سنتاً العام الماضي، وقفزت مبيعاتهم بأكثر من 50%.
في المقابل، يخشى المنتج الهندي تي فالساراج فقدان عملائه الأميركيين لصالح دول مثل الإكوادور، ما يهدد 3 مصانع و1500 وظيفة.
فيتنام.. الرابح الأكبر
دفع رفع الرسوم على الصين شركات الملابس الأميركية إلى البحث عن بدائل، فكانت فيتنام هي الوجهة المفضلة. بول نوريس، صاحب أحد مصانع الملابس الجاهزة، قال إنه تلقى سيلاً من الطلبات من علامات تجارية عالمية، ما رفع صادرات فيتنام إلى أميركا بنسبة 42% بين أبريل وسبتمبر.
لكن الطفرة لم تخلُ من تحديات، إذ اضطر نوريس للاختيار بين عملائه القدامى والوافدين الجدد، وسط ضغوط لتوسيع الإنتاج رغم ارتفاع الرسوم على فيتنام لاحقاً.
علبة الصفيح في مأزق
الصورة ليست موحدة، فهناك مستفيدون ومتضررون للتحولات، إلا أن الأزمة تكشف أن السلع التي لها بدائل، غالباً يصبح أصحابها خاسرين.
يواجه، ريك هوثر، مالك شركة “Independent Can” في ميريلاند، أزمة بسبب الرسوم على الصلب، التي أجبرته على رفع الأسعار مرتين هذا العام، ما أدى إلى خسارة زبائن تاريخيين.
ومع اعتماد الشركة على واردات الصفيح من ألمانيا وكوريا الجنوبية وتركيا، بلغت تكلفة الرسوم الإضافية 12 مليون دولار، فيما بدأ بعض العملاء التحول إلى العبوات البلاستيكية والورقية.
المحامي الذي وجد الثغرة
وسط هذا الضجيج والزخم وتعالي الأصوات بالصراخ هنا وهناك، وجد دان هاريس، المحامي في سياتل طريقاً لتقليص فواتير الرسوم الجمركية، وفي الوقت نفسه مصدراً غير متوقع للدخل من الاستشارات.
خلال أقل من عام أصبح هاريس، خبيراً في قوانين الرسوم. ابتكر مع فريقه طرقاً قانونية لتقليص الفواتير، مثل شراء قوالب التصنيع من الشريك الصيني بدلاً من دفع رسوم استخدامها، ما يخفض القيمة المعلنة للمنتج وبالتالي الرسوم. وقال هاريس “نحن نلتقط الفتات، لكنه يتراكم”.
لم توقف حرب ترامب التجارية عجلة التجارة العالمية، لكنها أعادت تشكيلها، وخلقت رابحين وخاسرين في كل زاوية من الاقتصاد.


