أخبار خاصة

مصارف لبنان في 2026: أرقام مستقرة ظاهرياً… وأزمة عميقة تحت السطح

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
يبدأ القطاع المصرفي اللبناني عام 2026 بأرقام تبدو للوهلة الأولى مستقرة نسبياً، لكن خلف هذا الهدوء الظاهري تختبئ أزمة مالية لم تُحلّ بعد. فالأرقام الصادرة عن مصرف لبنان تظهر تراجعاً تدريجياً في الودائع، وانكماشاً في ميزانيات المصارف، ودولرة شبه كاملة للنظام المالي، إلى جانب تراجع غير مسبوق في قدرة المصارف على تمويل الاقتصاد. وبين واقع الأرقام وضغط الأزمة المستمرة منذ عام 2019، يبقى السؤال الأساسي مطروحاً: هل بدأ القطاع المصرفي اللبناني فعلاً طريق التعافي، أم أن الاستقرار الحالي ليس سوى هدوء مؤقت فوق أزمة أعمق؟
ميزانيات أصغر

تشير البيانات إلى أن مجموع موجودات المصارف التجارية العاملة في لبنان بلغ نحو 9,130 تريليون ليرة لبنانية في نهاية كانون الثاني 2026، مقابل 9,156 تريليون ليرة في نهاية عام 2025 و9,221 تريليون ليرة في كانون الثاني من العام نفسه.
وهذا يعني أن ميزانية القطاع المصرفي سجلت تراجعاً شهرياً بنحو 0.28% وانخفاضاً سنوياً يقارب 0.99%.

قد تبدو هذه النسب محدودة، لكنها تأتي بعد تقلص كبير في حجم القطاع المصرفي منذ بداية الأزمة المالية. فقبل عام 2019 كان القطاع المصرفي اللبناني من أكبر القطاعات المصرفية في المنطقة قياساً بحجم الاقتصاد، حيث تجاوزت موجوداته 250 مليار دولار. أما اليوم فقد تقلص حجمه بشكل ملحوظ نتيجة خروج الرساميل وتراجع النشاط المصرفي، ما يعكس تحوّل المصارف من مرحلة التوسع إلى مرحلة تقليص الميزانيات وإعادة التكيّف مع واقع مالي جديد.

نزف الودائع

تُظهر الأرقام أيضاً استمرار تراجع ودائع الزبائن، التي بلغت نحو 7,849.95 تريليون ليرة في كانون الثاني 2026، مقارنة مع 7,871.68 تريليون ليرة في نهاية عام 2025 و7,985.18 تريليون ليرة في كانون الثاني 2025.

ويعني ذلك أن الودائع سجّلت انخفاضاً شهرياً بنسبة 0.28% وتراجعاً سنوياً يقارب 1.69%. كما تراجعت ودائع القطاع الخاص المقيم، في مؤشر إلى استمرار انتقال جزء من الأموال خارج النظام المصرفي.

هذا التراجع يعكس استمرار أزمة الثقة بين المودعين والمصارف منذ اندلاع الأزمة المالية، إضافة إلى القيود المفروضة على السحوبات والتحويلات، الأمر الذي دفع جزءاً كبيراً من اللبنانيين إلى الاحتفاظ بأموالهم نقداً خارج المصارف، ما أدى إلى توسع الاقتصاد النقدي في البلاد.

دولرة شبه كاملة

من أبرز المؤشرات التي تكشفها الأرقام استمرار الارتفاع الكبير في نسبة الدولرة داخل النظام المصرفي. فقد بلغت نسبة الودائع بالعملات الأجنبية نحو 98.56% من إجمالي الودائع في كانون الثاني 2026، مقارنة مع 98.59% في نهاية عام 2025 و98.91% في كانون الثاني 2025.

هذه النسبة المرتفعة تعكس فقدان الثقة بالعملة الوطنية بعد الانهيار الحاد الذي أصاب الليرة اللبنانية خلال السنوات الماضية، كما تشير إلى انتقال الاقتصاد اللبناني تدريجياً إلى نموذج يقوم عملياً على التعامل بالدولار في معظم الأنشطة الاقتصادية والمالية.

إقراض ضعيف

على صعيد التسليفات، تظهر الأرقام أن محفظة القروض الممنوحة للقطاع الخاص بلغت نحو 466 تريليون ليرة في كانون الثاني 2026، مسجلة زيادة طفيفة مقارنة بنهاية العام السابق.

لكن المؤشر الأكثر دلالة هو أن نسبة التسليفات إلى الودائع لا تتجاوز نحو 6.6%، وهي نسبة متدنية جداً مقارنة بالمعايير المصرفية العالمية التي غالباً ما تتراوح بين 60% و100%.

ويعكس هذا الواقع تراجع الدور التقليدي للمصارف في تمويل الاقتصاد، إذ لم تعد المصارف اللبنانية تقوم بوظيفتها الأساسية المتمثلة في تحويل المدخرات إلى استثمارات وقروض منتجة، ما يساهم بدوره في إبطاء النشاط الاقتصادي.

رساميل تحت الضغط

في المقابل، تراجعت الأموال الخاصة للمصارف إلى نحو 425.22 تريليون ليرة في كانون الثاني 2026، مقارنة مع 440.54 تريليون ليرة في نهاية عام 2025، أي بانخفاض شهري بلغ نحو 3.48%.

ويعكس هذا التراجع استمرار الضغوط على رساميل المصارف نتيجة الخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام المالي خلال الأزمة، رغم الإجراءات التي اتخذها مصرف لبنان في السنوات الماضية لتعزيز رسملة المصارف.

مستقبل القطاع

تكشف هذه المؤشرات أن القطاع المصرفي اللبناني لم يخرج بعد من أزمته، بل يعيش مرحلة استقرار هش بعد الانهيار الكبير الذي أصابه. فالنظام المصرفي اليوم يعمل بميزانيات أصغر، وبدور اقتصادي محدود، وفي ظل ثقة ضعيفة من المودعين.

ويرى خبراء اقتصاديون في مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن التعافي الحقيقي للقطاع المصرفي في لبنان لن يكون ممكناً من دون تنفيذ إصلاحات مالية عميقة، تشمل إعادة هيكلة المصارف ومعالجة الخسائر الكبيرة في النظام المالي وإعادة بناء الثقة بين المصارف والمودعين.

في المحصلة، لا تكشف أرقام المصارف في لبنان عن تعافٍ حقيقي بقدر ما تعكس مرحلة من الاستقرار الهش بعد واحدة من أعمق الأزمات المالية في تاريخ البلاد. فالتراجع التدريجي في الودائع، والهيمنة شبه الكاملة للدولار على النظام المالي، وضعف الإقراض للقطاع الخاص، كلها مؤشرات إلى أن القطاع المصرفي لم يستعد بعد دوره الطبيعي في دعم الاقتصاد. وبينما تواصل الميزانيات الانكماش البطيء وفق البيانات الصادرة عن مصرف لبنان، يبقى مستقبل هذا القطاع مرتبطاً بقدرة لبنان على تنفيذ إصلاحات مالية ومصرفية عميقة تعيد بناء الثقة وتضع حداً لأزمة مستمرة منذ عام 2019. وحتى ذلك الحين، سيبقى الاستقرار الذي تعكسه بعض الأرقام مجرد هدوء مؤقت فوق أزمة لم تُحلّ بعد

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *