أخبار خاصة

هل اقترب الاتفاق مع الصندوق؟

ناجي الخوري

شهدت زيارة بعثة صندوق النقد الدولي الاخيرة إلى بيروت، مؤشرات واضحة على تقدم لبنان في جهود الإصلاح الاقتصادي والمالي، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن تحديات رئيسية لا يمكن تجاهلها إذا أرادت السلطات اللبنانية التوصل إلى اتفاق تمويلي مع الصندوق في المستقبل القريب.

فالزيارة، برئاسة الخبير إرنستو راميريز ريغو، أتت في سياق “متابعة الصندوق الاستراتيجية، لدعم الدول المتعثرة التي تسعى لإعادة بناء أنظمتها المالية والمصرفية”، خصوصاً بعد الأزمة العميقة التي شهدها لبنان منذ 2019، والتي تركت النظام المصرفي منهاراً والاقتصاد الوطني في حالة اضطراب شديد، حيث ركزت البعثة على مناقشة التشريعات الاقتصادية والمالية الرئيسية، وعلى التقدم المحرز في برامج إعادة هيكلة المصارف واستعادة حقوق المودعين، إضافة إلى وضع إطار مالي متوسط الأجل يسهم في استعادة الاستدامة المالية والسيطرة على الدين العام.

أول ما يلفت الانتباه في البيان الصادر عن الصندوق، بعد انتهاء الزيارة، إشادته بمشروع قانون الاستقرار المالي واستعادة حقوق المودعين (FSDR) الذي أقرّته الحكومة واحالته للمجلس النيابي مجلس النيابي، باعتباره خطوة أولى نحو إعادة تأهيل القطاع المصرفي، وكإطار تشريعي مهم يسمح للمودعين بالوصول التدريجي إلى ودائعهم، مع حماية النظام المصرفي من أي انهيار إضافي، حيث أكد البيان على ضرورة مواءمة القانون مع المعايير الدولية، بما في ذلك احترام ترتيب أولوية المطالبات، وضمان ألا تُحمَّل أي خسائر للمودعين قبل المساهمين أو الدائنين الأقل مرتبة، وإعادة إنشاء نظام مصرفي مستدام يخدم الأجيال الحالية والمقبلة.

توجه، يعكس حرص الصندوق على، أن تكون أي عملية إعادة هيكلة شفافة وعادلة، وأن تحمي حقوق المودعين بما يعزز الثقة في القطاع المصرفي، وهو عنصر أساسي لإعادة الاستقرار الاقتصادي.
في الوقت نفسه، أبرز البيان أهمية إعداد إطار مالي متوسط الأجل، وهو أمر بالغ الأهمية لدعم استراتيجية إعادة هيكلة المصارف وتمهيد الطريق لإعادة هيكلة الدين السيادي بهدف استعادة استدامته، فضلاً عن توسيع الإنفاق الاجتماعي والاستثماري الضروري.

عند هذه النقطة، يرى الصندوق أن إعادة فتح المصارف وحدها لن تكون كافية، بل يجب أن تتكامل مع سياسات مالية واضحة تعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية دون خلق ضغوط إضافية على الدين العام، معتبرا هذا التوجه بمثابة رسالة واضحة للسلطات اللبنانية بأن صندوق النقد لن يوقع على أي اتفاق ما لم يكن هناك إطار مالي متوازن يضمن الاستدامة المالية ويقلل المخاطر على المودعين والاقتصاد الوطني.

كما ركز البيان على أهمية الشفافية والاستقلالية في عملية معالجة أوضاع المصارف، مشيراً إلى تعديل قانون معالجة أوضاع المصارف (BRL) لضمان أن تكون هذه العملية مستقلة وفعالة، ومتوافقة مع المبادئ الدولية، بوصفه شرطا أساسياً لإقناع صندوق النقد بأن لبنان ملتزم بالحوكمة الرشيدة، وهو معيار مهم لأي اتفاق تمويلي.

الى ذلك شدد البيان على ضرورة أن تكون أي التزامات إنفاق جديدة، بما فيها زيادات رواتب ومعاشات القطاع العام، متوافقة مع الإطار المالي المتوسط ومصحوبة بجهود لتعزيز الإيرادات، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، مشيدا بالجهود اللبنانية لتعزيز تحصيل الضرائب، مع الإشارة إلى أن إصدار قانون ضريبة دخل حديث وأكثر فعالية يمثل خطوة أولى مهمة. أمر يعد محورياً لتأثيره المباشر على قدرة الدولة على تمويل عمليات إعادة الهيكلة والمشاريع الاجتماعية دون زيادة الدين العام، ما يعكس حرص صندوق النقد على أن تكون أي إصلاحات مالية متكاملة، تجمع بين إعادة الهيكلة البنكية، تعزيز الإيرادات، وضبط الإنفاق، لتوفير بيئة اقتصادية مستقرة وجاذبة للاستثمار.

عليه، تشير زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى أن لبنان يسير في الطريق الصحيح نحو الإصلاح المالي والمصرفي، إلا أن الطريق نحو توقيع اتفاق تمويلي لا يزال محفوفاً بالتحديات. فنجاح أي اتفاق مستقبلي يعتمد على سرعة تنفيذ الإصلاحات التشريعية، مواءمة القوانين مع المعايير الدولية، تعزيز الإيرادات، وضمان استدامة الدين العام.

في المقابل، وفر البيان مؤشرات إيجابية على التزام الصندوق بدعم السلطات اللبنانية، ما يعكس فرصة حقيقية لإعادة الثقة في النظام المصرفي والاقتصاد الوطني إذا تم الالتزام بالخطة الإصلاحية الشاملة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *