مرّر مشرّعون أميركيون الأربعاء، مشروع قانون شامل لسياسة الدفاع، في إشارة إلى دعم قوي عابر للحزبين لأوروبا، وفي رفض حاد واضح لنهج الرئيس دونالد ترامب المتزايد العداء تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأقرب حلفاء الولايات المتحدة.
وصوّت مجلس الشيوخ بأغلبية مريحة 77 مقابل 20 لصالح مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) البالغة قيمته 900 مليار دولار، ليُحال إلى البيت الأبيض، منهياً بذلك أحد طقوس التعاون القليلة المتبقية بين الحزبين في الكونغرس، في وقت تتصاعد فيه الخلافات حول السياسة الخارجية في واشنطن.
وقال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون قبيل التصويت: “نطلب الكثير من الأميركيين الشجعان الذين يخدمون بالزي العسكري، وهم يقدمون الكثير”، مضيفًا: “وأفخر بأن قانون تفويض الدفاع الوطني لهذا العام سيساعد في ضمان حصولهم على ما يحتاجونه للحفاظ على أمن أميركا في عالم خطير”، وفق وكالة “فرانس برس”.
وجاء تصويت مجلس الشيوخ بعد إقرار مجلس النواب للمشروع الأسبوع الماضي، وفي ظل قلق متزايد في العواصم الأوروبية من خطاب ترامب، ولا سيما بعد أن صوّرت استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأخيرة أوروبا على أنها مفرطة التنظيم، ومتخبطة ثقافيًا، وغير ملتزمة بما يكفي بالدفاع عن نفسها.
وشككت الاستراتيجية في القيمة الاستراتيجية للقارة، ورددت بشكل علني أطروحات تتبناها أحزاب اليمين المتطرف، ما أجّج المخاوف من اتساع الشرخ عبر الأطلسي.
ترسيخ الوجود الأميركي في أوروبا
وعلى النقيض من ذلك، يعكس قانون تفويض الدفاع الوطني إصرار المشرّعين على ترسيخ الوجود الأميركي في أوروبا.
ويحظر مشروع القانون خفض عدد القوات الأميركية في القارة إلى أقل من 76 ألف جندي لأكثر من 45 يومًا، كما يقيّد سحب المعدات العسكرية الرئيسية، ما يقيّد عمليًا قدرة الإدارة على تنفيذ أي انسحاب سريع.
كما يعزز الموارد المخصصة لدول الناتو الواقعة على الخطوط الأمامية، ولا سيما في منطقة البلطيق، بما يدعم الجناح الشمالي الشرقي للحلف.
ويجيز التشريع إنفاقًا يزيد بنحو 8 مليارات دولار عمّا طلبته الإدارة، في إشارة إلى تشدد الكونغرس في تحديد أولويات الدفاع.
مساعدات بقيمة 400 مليون دولار لأوكرانيا
وخارج أوروبا، يثبت قانون تفويض الدفاع الوطني مساعدات أمنية بقيمة 400 مليون دولار لأوكرانيا، بهدف الحفاظ على حد أدنى من الدعم في ظل استمرار الجدل حول التمويل الأوسع، كما يفرض قيودًا جديدة على أي خفض محتمل للقوات الأميركية البالغ عددها 28,500 جندي والمتمركزة في كوريا الجنوبية.
وكالعادة، واجه القانون انتقادات من عدة جهات، بدءًا من محافظين يعارضون تقديم المساعدات لأوكرانيا، وصولًا إلى خبراء سلامة حذروا من بنود تتعلق بالطيران قد تتراجع عن متطلبات أساسية لسلامة الطائرات العسكرية العاملة في المجال الجوي المحظور حول واشنطن.
لكن أياً من هذه الانتقادات لم يقترب من عرقلة مشروع يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه تشريع لا بدّ من إقراره.
إقرار إلغاء عقوبات “قيصر”
وفي سياق آخر، وافق الكونغرس الأميركي على إلغاء قانون “قيصر” الذي يفرض عقوبات أميركية على سوريا.
وقال الخبير الاقتصادي فراس حداد، إن إلغاء قانون “قيصر” بشكل كامل، سيشكل تحولاً جوهرياً مقارنة بمرحلة تجميد بعض بنوده، إذ يعني إنهاء ملاحقة الأفراد والشركات التي تتعامل مع سوريا وفتح المجال أمام عودة النشاط الاقتصادي بشكل أوسع.
وأوضح حداد في مقابلة سابقة مع “العربية Business” أن إلغاء القانون سينعكس إيجاباً على الواقع النقدي والمالي، من خلال إعادة ربط سوريا بالمنظومة المالية العالمية، بما يشمل التعامل مع أنظمة التحويل الدولية، واستعادة التعامل الطبيعي بالنقد الأجنبي، مشيراً إلى أن الليرة السورية فقدت نحو 30 ضعفاً من قيمتها منذ بدء تطبيق القانون في 2019، قبل أن تبدأ بالتحسن مؤخراً، مع توقعات باستمرار هذا التحسن خلال العام المقبل بدعم من التدفقات الاستثمارية المحتملة.
وأشار إلى أن إزالة العقوبات الاقتصادية مرتبطة أيضاً باستيفاء متطلبات مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي اشتراطات تتماشى مع معايير مجموعة العمل المالي، موضحاً أن سوريا مدرجة حالياً على القائمة الرمادية، مع توقعات بإجراء تقييمات فنية خلال العام المقبل، قد تمهد لإزالة اسمها بحلول 2026.




