أخبار اقتصادية

أرباح بالمليارات في الأسواق من “هدنة الأيام الخمسة”

أعادت تحركات مفاجئة في أسواق النفط والأسهم ومنصات المراهنات التنبؤية فتح باب الشكوك حول احتمال استفادة بعض المتداولين من معلومات حساسة قبل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية 5 أيام.

ففي وقت كانت وول ستريت تتجه الى تراجع مع صعود النفط وهبوط العقود الآجلة للأسهم، أدى منشور لترامب بعد السابعة صباحًا بتوقيت نيويورك عن “محادثات مثمرة” مع طهران إلى انقلاب حاد في التسعير، إذ تحولت خسائر العقود الآجلة للأسهم الأميركية إلى مكاسب قوية، وهبط النفط 12% مع هبوط خام برنت 112 دولارُا إلى ما دون عتبة الـ 100 دولار، بينما ارتدت السندات صعودا.

أظهرت تقارير عديدة أنّ صفقات على عقود برنت وغرب تكساس بقيمة اسمية تقارب 580 مليون دولار نُفذت قبل نحو 15 دقيقة من منشور ترامب، ما دفع مراقبين في الأسواق إلى التساؤل عما إذا كانت هذه التحركات تعكس قراءة استباقية ذكية، أم وصولًا مبكرًا إلى معلومات غير معلنة.

ونقلت وسائل أغلام عالمية عن متعاملين ومديري صناديق قولهم إن توقيت الصفقات كان استثنائيا، حتى لو لم يكن ذلك بمفرده دليلًا قانونيًا قاطعًا على تداول بناء على معلومات داخلية.

جرس إنذار للثقة في نزاهة الأسواق

يقول المحلل المالي محمد الكجك لفوربس الشرق الأوسط إن هذا التزامن “يمثل جرس إنذار خطير يهدد صلب الثقة في نزاهة الأسواق المالية”، مضيفُا أن التزامن الدقيق بين الصفقات المليونية في عقود النفط وتأسيس محافظ جديدة على منصات مثل “بولي ماركت” قبل دقائق معدودة من منشور ترامب “يصعب جدًا إدراجه تحت خانة الصدفة أو الحدس الاستثماري”، معتبرًا أن الأمر يثير “شبهات قوية لتسريب معلومات سيادية حساسة”.

ويقول إن المشكلة لا تتعلق فقط بربح غير مشروع محتمل، بل تكشف أيضًا “هشاشة هيكلية” في النظام المالي الحديث، حيث تتحول منصات المراهنات التنبؤية تدريجيا، برأيه، إلى قنوات خلفية للتربح من المعلومات الداخلية في ظل بطء التشريعات وضعف الرقابة مقارنة بالأسواق التقليدية.

وفي سوق المراهنات التنبؤية، بدت الصورة أكثر إثارة للريبة، فقد ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن ثمانية حسابات جديدة على منصة بولي ماركت، أُنشئت جميعها تقريبًا في 21 آذار، راهنت بنحو 70 ألف دولار على التوصل إلى وقف إطلاق نار أميركي إيراني قبل 31 آذار، وهي رهانات قد تدر نحو 820 ألف دولار مع تحقق السيناريو.

وخلال أيام قليلة فقط قفز تقدير المنصة لاحتمال هذا السيناريو من 6% إلى 24%، بينما تجاوز إجمالي الأموال المراهن عليها 21 مليون دولار، ونقلت الصحيفة عن الباحث السابق في كوين تيليغراف بن يورك قوله إن شكل المحافظ “يبدو بالتأكيد” كأنه يشير إلى شخص لديه “درجة ما من المعلومات الداخلية”، مع إشارته أيضًا إلى أن تقسيم الرهانات بين محافظ متعددة قد يعكس إما مستثمرًا كبيرًا يحاول إخفاء مركزه أو نشاطًا مبنيا على معلومات غير علنية.

تحركات ضخمة في توقيت حساس

لكن هذه القراءة لا تحظى بإجماع كامل، فالمدير التنفيذي لشركة “في آي ماركتس مصر” الدكتور أحمد معطي يستبعد في حديث مع فوربس الشرق الأوسط أن تكون رهانات بولي ماركت وحدها دليلًا قويا، بالنظر إلى صغر قيمة بعض المحافظ التي راهنت عكس الاتجاه السائد، وإن كان سلوك التسريب قد يتسق مع شخصية الرئيس الأميركي، وفق قوله.

ويرى أن التركيز الأهم يجب أن يكون على الأسواق المالية الكبرى، لا سيما النفط، حيث ظهرت تحركات ضخمة في توقيت بالغ الحساسية بين مهلة الـ48 ساعة التي لوّح بها ترامب لضرب منشآت الطاقة الإيرانية، ثم قرار تأجيل التنفيذ 5 أيام.

ويضيف أن الحديث عن احتمال تسريب المعلومة “لا يمكن تأكيده”، لكنه يشير إلى أن الجدل المحيط بطريقة تواصل ترامب مع الأسواق ليس جديدا، وأن تقارير سابقة كانت قد أثارت أسئلة مشابهة بشأن تأثير تصريحاته في العملات المشفرة وأسواق أخرى.

وتكشف هذه الوقائع عن تحول أعمق في بنية السوق، إذ لم تعد الحروب تُترجم فقط إلى قفزات في النفط أو تراجعات في الأسهم، بل أصبحت أيضًا مادة مباشرة لرهانات رقمية ومضاربات شديدة الحساسية يمكن أن تجذب متعاملين يبحثون عن الربح السريع على وقع المعلومة السياسية أو العسكرية.

ولا تكمن الخطورة هنا في احتمال وجود من تحركوا قبل السوق فقط، بل أيضًا في أن تكرار هذه الحالات يضعف الثقة في نزاهة التسعير، ويجعل الفاصل بين “الحدس الجيد” و”المعلومة غير المعلنة” أكثر ضبابية.

تآكل المصداقية في الأسواق العالمية

وقد دفعت هذه الشكوك المنصات نفسها إلى التحرك، فوفقًا لوكالة أسوشيتد برس، أعلنت “كالشي” (Kalshi) و”بولي ماركت” (Polymarket) تشديد قواعدهما ضد التداول بناء على معلومات سرية أو القدرة على التأثير في نتائج العقود، كما جاء ذلك بالتزامن مع مشروع قانون جديد في مجلس الشيوخ يستهدف القطاع.

لكن الكجك يرى في هذه الخطوات “ردود فعل خجولة”، مشددًا على ضرورة إجراء تحقيق فيدرالي صارم يتتبع مسار الأموال، ومحذرًا من أن ترك هذه الظاهرة من دون حسم سيؤدي إلى تآكل مصداقية التسعير في الأسواق العالمية، خصوصًا أن ما جرى مس أهم الأسواق المالية التي قامت تاريخيًا على مبدأ الشفافية.

ورغم كل ذلك، لا تقدم التقارير المنشورة حتى الآن دليلا قاطعًا على أن مسؤولين أو أطرافًا مطلعة سربوا قرار التأجيل أو استفادوا منه ماليا، لكن تزامن رهانات (Polymarket) وصفقات النفط الكبيرة مع إعلان قلب اتجاه الأسواق في دقائق كان كافيًا لإحياء أسئلة حساسة عن نزاهة التداول في زمن الحروب، وعن قدرة المنصات والمنظمين على ملاحقة سلوك قد يسبق القرار السياسي بدقائق ويترجمه إلى أرباح هائلة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *