أظهرت الحركة التجارية خلال الفصل الأخير من سنة 2025 تحسّناً أفضل مِمّا كنـّـا قد شهدناه في الفصول السابقة، وقد لحظت النتائج الفصلية للفصل الرابع مزيداً من الارتفاع، الأمر الذي أشار الى نشاط أفضل في الأسواق وإلى استمرارية الاستعادة التدريجية للحيوية في الحركة الاستهلاكية.
بالأرقام: “سجـّـل “مؤشر جمعية تجار بيروت – فرنسَبنك لتجارة التجزئة” للفصل الرابع من سنة 2025 مستوى 35.65 (بالمقارنة مع 33.89 في الفصل السابق)، بعد الإشارة الى أن المؤشر الأساس (100) الذي قد تم تبنـّـيه هو للفصل الرابع لسنة 2019، بالرغم من أن تضخم الأسعار خلال الفصل الرابع من سنة 2025، وفقاً لإدارة الإحصاء المركزي، عاود بالارتفاع حيث بلغ + 4.23 % (بالمقارنة مع + 2.50 % في الفصل السابق له).
إن مؤشرات التعافي النسبي التي برزت خلال الفصل الرابع لسنة 2025 تشير الى إمكانية الاقتصاد اللبناني من تسجيل نموٍ إيجابيٍ في نهاية السنة (تمّ تُقديره بنحو 3.5 %)، وهو تعافٍ – ولو محدود، بعد سنوات من الانكماش المرتبط بالأزمة المالية والنزاعات الإقليمية. وشملت محركات هذا النمو التعافي النسبي الذى شهده قطاع السياحة، كما وإستمرار تدفّقات التحويلات المالية من المغتربين الى ذويهم في لبنان، الى جانب زيادة خجولة في مستويات الاستهلاك الخاص، مع استقرار سعر الصرف – بفعل المراقبة الصارمة من قِبل البنك المركزي، في الوقت الذى ظلّت فيه الضغوط التضخمية تتضاءل.
ذلك بالرغم من أن جزءاً كبيرًا من أجندة الإصلاحات الهيكلية ظل حتى نهاية السنة قيد الإعداد والتنفيذ، مثل قانون إصلاح القطاع المصرفي والقوانين المالية الأخرى، وأبرزها قانون الفجوة المالية، الهادف إلى وضع إطار قانوني لمعالجة الفجوة المقدّرة بين 80 و83 مليار دولار بين إلتزامات الودائع وأصول المصارف ومصرف لبنان. ويحدّد القانون آليات محتملة لسداد الودائع المجمّدة وكيفية توزيع الخسائر، وقد كانت المناقشات البرلمانية حوله لا تزال جارية، حيث أن جمعية مصارف لبنان والقطاع الخاص اللبناني بشكل عام قد عارضوا بشدة بنودًا أساسية في مشروع القانون، معتبرة أنه ينحرف عن المعايير الدولية وقد يُضعف حقوق المودعين ويؤثر سلبًا على ميزانيات المصارف، في ظل غياب محاسبة شفافة للخسائر الفعلية، ولِما لهذا القانون من تبِعات لا سيما مع عدم الإقرار بأن الأزمة المالية اللبنانية هي أزمة نظامية.
وفي الوقت عينه، لم ينقطع التواصل بين بعثات صندوق النقد الدولي والجهات المعنية في لبنان، مع تأكيد الصندوق مجدّداً بأن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، والاستدامة المالية، وإصلاح الحوكمة، تُعدّ شروطًا أساسية لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي مستقبلي، وتسهيل إعادة فتح قنوات الائتمان، وإمكانيات الحصول على شروط تمويل ميسّرة من قِبل الدول الصديقة والمانحة والمؤسسات الدولية، وعودة الإستثمارات طبعاً.
ومع ذلك، يبدو أن هنالك إستعداداً من قِبل بعض الجهات الخارجية للدعم بشكل انتقائي، بما قد يوفر ارتياحًا ماليًا قصير الأجل ويعزّز الاستثمار في البنية التحتية، وذلك بعد قيام البنك الدولي في الآونة الأخيرة بتمويلات جديدة للمشاريع الاجتماعية والرقمية، بالإضافة الى التعهدات الاستثمارية من قِبل قطر في قطاع الكهرباء وبرامج عودة اللاجئين.
لكن، وكما تمّ الإشارة إليه في الفصل السابق، فإن المطلوب هو إستمرار التقدّم في المحاولات الإصلاحية والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي.
إنما المطلوب أيضاً هو عدم حصول مستجدّات تُعيق الحركة السياحية أو موجة إستعادة النشاط الإستهلاكي – لا سيما في موسم أعياد الفطر المبارك والفصح المجيد القادمين، الى جانب عدم إنقطاع تحويلات المغتربين.
وفي حال توفّرت تلك الظروف والمعايير المؤاتية، فإن البنك الدولي يتوقّع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 4 % في عام 2026، ويمثل ذلك تسارعًا طفيفًا مقارنة بنمو عام 2025 البالغ كما أشرنا أعلاه نحو 3.5 %.
وتشير أيضاً بعض استطلاعات المحلّلين في القطاع الخاص (مثل تلك المستندة إلى بيانات بلومبرغ) إلى تفاؤل أكبر، مع متوسّط نمو متوقَّع يتراوح بين 5.5% و5.7% في عام 2026، مدفوعًا بشكل أساسي بالتحويلات المالية والنشاط السياحي وتحسّن الطلب الخاص.
عليه، وبالرغم من الإشارات الإيجابية، لا تزال الحركة الإستهلاكية، وبرغم تحسّنها النسبي في الفصل الرابع، دون المستويات المرجوة، ولا يزال التضخـّـم، بالرغم من التباطؤ الملحوظ في الآونة الأخيرة، مرتفعاً.
وكما ذكرنا أعلاه، وصل “مؤشر جمعية تجار بيروت – فرنسَبنك لتجارة التجزئة” الى مستوى 35.65 في الفصل الرابع من سنة 2025 (33.89 في الفصل السابق) مع تسجيل تحسـّـن حقيقي فصلي طفيف في النتيجة المجمـّـعة لقطاعات تجارة التجزئة، متضمنة مبيعات المحروقات، التي شهدت هي الأخرى تراجعاً بنسبة – 11.04 % من حيث الكميات (+ 6.24 % في الفصل السابق).
وقد سجـّـلت أرقام الأعمال المجمـّـعة لكافة القطاعات، بعد إستثناء قطاع المحروقات، زيادة فصلية حقيقية عمـّـا كانت عليه في الفصل السابق، حيث بلغت نسبة هذه الزيادة + 10.01 % بالمقارنة مع أرقام الفصل الثاني لسنة 2025، كما أظهرت تلك النتائج تحسّناً أكثر دلالة بالمقارنة مع ما كانت عليه في الفصل الرابع من السنة الماضية، حيث أشارت النتيجة المجمـّـعة لقطاعات تجارة التجزئة الى زيادة سنوية حقيقية بلغت + 12.40 %، بعد إستثناء قطاع المحروقات.
أمـّـأ لجهة التضخـّـم، فقد بلغت نسبة التضخـّـم السنوية في الفصل الرابع لهذه السنة + 12.23 %، مسجـّـلة بذلك إنخفاضاً بالمقارنة مع ما كانت قد سجـّـلته في الفصل الرابع لسنة 2024 (+ 18.12 %)، في حين عادت نسبة التضخـّـم الفصلية (أي ما بين الفصل الثالث والفصل الرابع لسنة 2025) للإرتفاع، حيث سجـّـلت نسبة + 4.23 % بالمقارنة مع نسبة + 2.76 % التي كان قد تمّ تسجيلها في الفصل السابق.
إذاً، فإن تلك الأرقام التي تمّ تسجيلها في الفصل الأخير من سنة 2025، وخلال الفصول السابقة له، تؤكّد التراجع في معدلات التضخم طيلة عام 2025 (من مستويات ثلاثية الأرقام إلى نحو 12 %)، بالرغم من القفزة التي شهدها الفصل الرابع.
ويتوقّع البنك الدولي أن يواصل التضخّم السنوي انخفاضه إلى خانة الآحاد (حوالي 8.7 %) في عام 2026، مدعومًا باستمرار استقرار سعر الصرف، كما وباستقرار (إن لم يكن تراجع) أسعار النقل العالمي، غير أن كل ذلك يبقى رهينة استمرار الانضباطين المالي والنقدي وبالطبع الاستقرارين الأمني والسياسي.
وفي الختام، يمكن التمنّي بأن التقدّم في القوانين الأساسية، مثل قانون الفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، إلى جانب الإلتزام بشروط الإصلاح التي تطلبها مختلف الجهات الخارجية، سيكون حاسمًا في فتح باب التمويل الخارجي وإعادة بناء الثقة.
ولا شكّ بأن ذلك سوف يكون المفتاح الأساسي لاستقرار القطاع المالي، وإعادة فتح قنوات الائتمان، وإمكانية الحصول على تمويل ميسّر، إن للقطاع الخاص أو للأسر اللبنانية – الأمر الذي من شأنه تعزيز القدرة الشرائية والتحفيز لتنشيط الإستهلاك في شتّى القطاعات.
بالإضافة الى ذلك، يتوجـّـب تسريع اتخاذ وتطبيق التدابير الصارمة لكبح الدورة التجارية غير الشرعية وتكثيف الإجراءات في مكافحة الفساد في الإدارات”.

