أخبار خاصة

ضريبة “صيرفة”: محاسبة متأخرة أم مقامرة بالثقة؟

ناجي الخوري

في خضمّ الانهيار والازمات غير المسبوقة التي يعيشها لبنان، تتحوّل كل خطوة مالية أو ضريبية تتخذها الدولة، إلى حدث سياسي – اقتصادي بامتياز، تتجاوز تداعياته الأرقام لتطال الثقة، الاستقرار النقدي، ومفهوم العدالة المالية.

في هذا السياق، جاء قرار وزير المال ياسين جابر المتعلق بفرض ضريبة بنسبة 17% على عمليات الصيرفة القديمة ليعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل في المرحلة الراهنة: ملف إدارة الفوضى النقدية، ومن استفاد منها، ومن دفع كلفتها.

قرار لا يمكن مقاربته بوصفه إجراءً تقنيًا أو محاسبيًا معزولًا، بل ضمن الإطار الأوسع للأزمة المالية، انهيار الليرة، تآكل الودائع، وتفكك النظام المصرفي، في وقت تعجز فيه الدولة عن إقرار خطة تعافٍ شاملة توزّع الخسائر بشكل عادل وواضح، وفراغ إصلاحي، حوّل السياسات المالية إلى إجراءات ترقيعية تهدف إلى تأمين إيرادات سريعة للخزينة، ولو على حساب الاستقرار القانوني أو وضوح الرؤية الاقتصادية.

فملف عمليات “منصة صيرفة”، تحديدًا، وما سبقها أو رافقها، لم يكن مجرد آلية تقنية لضبط سعر الصرف، بل كان انعكاسًا مباشرًا للاختلالات العميقة في السياسات النقدية، ولعجز الدولة عن توحيد سعر الصرف وإدارة الانتقال من اقتصاد مصرفي منظم إلى اقتصاد نقدي مشوّه، اذ بين أسعار رسمية، وشبه رسمية، وسوق سوداء، نشأت فجوة ضخمة سمحت بتحقيق أرباح متفاوتة، استفاد منها صرافون، ومؤسسات، وأفراد، فيما تحملت الغالبية الساحقة من اللبنانيين كلفة التضخم وانهيار القدرة الشرائية.

من هنا، يقدَّم قرار فرض الضريبة بنسبة 17% على عمليات الصيرفة القديمة بوصفه محاولة لاستعادة جزء من هذه الأرباح، من حيث المبدأ، أو على الأقل لإعادة الاعتبار لمفهوم العدالة الضريبية، عبر تحميل المستفيدين من فروقات الصرف جزءًا من العبء المالي الذي تحمّله المجتمع ككل.

غير أن هذا الطرح، على وجاهته النظرية، يصطدم بجملة من الأسئلة الجوهرية: هل يمكن فرض ضريبة بأثر رجعي في نظام مالي يعاني أصلًا من هشاشة قانونية؟ هل تمتلك الدولة القدرة الإدارية والتقنية لتحديد هذه العمليات بدقة؟ وهل يشكل هذا القرار خطوة ضمن مسار إصلاحي متكامل، أم مجرد إجراء ظرفي لسد فجوة آنية في المالية العامة؟

الاجابات قد تكون صعبة، الا ان أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في قيمته المالية المحتملة، بل في الرسائل التي يحملها إلى الداخل والخارج، حيث يقرأ داخليًا، كإشارة إلى محاولة الدولة الانتقال من فرض الضرائب غير المباشرة التي تطال الفئات الأضعف، إلى ملاحقة مكامن ربح نشأت في قلب الأزمة. أما خارجيًا، فيندرج ضمن سعي الحكومة ووزارة المال إلى إظهار حد أدنى من الجدية في ضبط الإيرادات وتوسيع القاعدة الضريبية، في ظل الضغوط المتواصلة من الجهات الدولية الداعية إلى إصلاحات بنيوية.

لكن في المقابل، يثير القرار مخاوف حقيقية من تعميق حالة عدم اليقين في البيئة المالية اللبنانية، ذلك أن الضريبة بأثر رجعي قد تُفسَّر على أنها سابقة خطيرة، تزعزع ما تبقى من ثقة في النظام الضريبي، وتدفع المزيد من الأنشطة الاقتصادية نحو الظل، في بلد يعاني أصلًا من توسّع الاقتصاد غير المنظم.
كما أن التركيز على عمليات “صيرفة” القديمة، قد يعكس مقاربة تعالج النتائج لا الأسباب.

من هنا، تكتسب دراسة قرارات وزير المال ياسين جابر حول هذا الملف أهمية استثنائية، ليس فقط لتقييم أثرها المالي المباشر، بل لفهم موقعها ضمن المشهد الاقتصادي العام، وتداعياتها على الثقة، والاستقرار، والعلاقة بين الدولة والقطاع المالي.
فهل يشكل هذا القرار بداية لمسار تصحيحي يعيد الاعتبار لمفهوم العدالة المالية؟ أم أنه حلقة جديدة في سلسلة إجراءات ظرفية تُدار بمنطق الضرورة لا الرؤية؟

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *