جوزف فرح
مشروع قانون الفجوة المالية الذي ارسل الى المجلس النيابي لاقراره يبدو انه موجود اليوم في براد الانتظار بسبب الحرب الاسرائيلية على لبنان واهتمام المسؤولين بها وانصرافهم الى معالجة شؤون النازحين اللبنانيين الذين يتجاوزون المليون نازح .
واذا كان مشروع القانون موجودا في المجلس النيابي فان بعض التفاصيل فيه تبدو دون اية حلول كالودائع الموجودة في المصارف تحت مسمى اللولار وهذه التفاصيل ستقوم لجنة المال النيابية بتشريحها ودرسها بعد انتهاء الحرب واجراء بعض التعديلات عليها
فالقانون المقترح لا يندرج في إطار تشريع مالي عادي، بل يُعدّ محاولة لإعادة تنظيم الخسائر المتراكمة في النظام المالي منذ 17 تشرين الأول 2019، ووضع إطار قانوني لسداد الودائع وإعادة بناء الثقة المفقودة بين المودعين والدولة والقطاع المصرفي.
الجدير ذكره انه
في أيلول 2025 بلغ عدد أصحاب الحسابات التي فيها أقل من 100 ألف دولار، نحو 782 ألفاً ومجموع ما فيها من ودائع بلغ 14.8 مليار دولار، وذلك بحسب أرقام رسمية وزّعت في الجلسات الثلاثة الأخيرة لمجلس الوزراء. وفي المقابل، هناك 145 ألف مودِع يملكون ما يقرب من 67.4 مليار دولار في حساباتهم التي يفوق ما فيها الـ100 ألف دولار. بحسب مشروع الحكومة للانتظام المالي واسترداد الودائع، سيدفع للجميع 100 ألف دولار، أي سيتم تسديد 14.8 مليار دولار مضافاً إليها بضعة مليارات أخرى غير مقدّرة بشكل دقيق بعد، إنما جرى التداول بأن كلفتها قد لا تزيد على 3 مليارات دولار.
بيار الخوري : لحظة مفصلية
وفي هذا الاطار يقول الدكتور بيار الخوري الكاتب في الاقتصاد السياسي :
يواجه الاقتصاد اللبناني في ربيع عام 2026 لحظة مفصلية تتداخل فيها تعقيدات إعادة الهيكلة المالية مع الضغوط الجيوسياسية والعسكرية المتفاقمة. إن مشروع قانون “معالجة الفجوة المالية” يمثل حجر الزاوية في أي محاولة لاستعادة الانتظام المالي، إلا أن مساره التشريعي لا يزال يصطدم بحائط مسدود. تقبع المسودة حالياً في لجان نيابية مشتركة وسط تجاذبات حادة بين السلطة التنفيذية والتشريعية، حيث يرفض البرلمان تحميل المودعين العبء الأكبر، بينما تصر الحكومة على الأرقام التي تفرضها الفجوة المقدرة بأكثر من 70 مليار دولار.
وبعتبر الخوري ان
العوائق السياسية تتمثل في “لوبي المصارف” الذي يرفض شطب رساميله، والقوى السياسية التي تخشى التبعات الشعبية لإقرار “هيركات” قانوني. ويعد إقرار هذا القانون شرطاً مسبقاً (Prior Action) لا غنى عنه في الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي، إلا أن اندلاع العمليات العسكرية الواسعة في مارس 2026 جعل الأولوية لموازنات الطوارئ، مما وضع ملف الإصلاح الهيكلي في حالة “تجميد مؤقت” تقنياً، مع استمرار الضغوط الدولية لعدم إسقاطه من الأجندة.
هندسة التعديلات وتوزيع الأعباء المالية
تتمحور النقاشات الحالية حول “تراتبية الحقوق” (Waterfall of Liabilities) في توزيع الخسائر. التوجه الأحدث يميل نحو تصفير رأسمال المصارف (Bail-in) أولاً، يليه استخدام جزء من الفوائد المرتفعة التي جُنيت سابقاً للمساهمة في الإطفاء. أما سقف حماية الودائع، فيدور النقاش حول ضمانة فعلية لمبلغ 100 ألف دولار لكل مودع، تُدفع على مدى زمني متوسط (قد يتجاوز ٤ سنوات) وبالعملة الأجنبية أو ما يعادلها بسعر صرف السوق تدريجياً.
بالنسبة لكبار المودعين، يتم طرح خيارات “صندوق استرداد الودائع” (Deposit Recovery Fund) الذي يُغذى من استثمارات في أصول الدولة أو استعادة الأموال المحولة للخارج بطرق غير قانونية، وهو خيار لا يزال يفتقر لآليات التمويل الواضحة. أما بالنسبة لأصول الدولة والذهب، فهناك ضغط متزايد لاستخدام “عائدات” الإدارة لا “أصول” الملكية لتجنب التفريط بالسيادة الوطنية، مع بقاء الذهب خطاً أحمر قانونياً ودستورياً يمنع التصرف به دون تشريع استثنائي لا يبدو متاحاً حالياً.
تحليل تقني لظاهرة “اللولار” وأثرها على السيولة
: يمثل “اللولار” في جوهره “مطالبة مالية غير مغطاة بالسيولة الجاهزة”، وهو أداة نقدية هجينة تعبر عن ودائع بالدولار محبوسة داخل ميزانية مصرف لبنان والمصارف التجارية. المعالجة التقنية المقترحة تتجاوز فكرة السحب الشهري البسيط نحو تحويل جزء من هذه الكتلة إلى سندات دين طويلة الأجل (Consols) أو شهادات إيداع بآجال تصل لـ15 عاماً. هذا التوجه سيؤدي حكماً إلى “Haircut” مقنع عبر عامل الزمن وتآكل القيمة الشرائية. بالنسبة لحاملي الشيكات المصرفية، فإن قيمتها السوقية ستظل تخضع لخصم كبير (Discounting) ما لم يتم توحيد سعر الصرف بالكامل. أثر هذه الإجراءات على السيولة سيكون انكماشياً في المدى القصير، حيث سيؤدي تقييد السحوبات لامتصاص الكتلة النقدية بالليرة، مما يضعف الطلب الكلي ويعمق حالة الركود الاقتصادي، ولكنه في المقابل يقلل الضغط على احتياطيات العملات الصعبة.
سيناريوهات رقمية لاسترداد الودائع (القيم التقديرية):
في السيناريو الإيجابي الذي يفترض اتفاقاً سريعاً مع صندوق النقد واستقراراً أمنياً، قد يسترد صاحب وديعة الـ 100 ألف دولار كامل مبلغه بين ٤و ٦ سنوات، بينما يسترد صاحب الـ 500 ألف دولار نحو 60% منها، وصاحب المليون دولار نحو 40% عبر مزيج من النقد وسندات الصندوق. أما في السيناريو الواقعي، فإن وديعة الـ 100 ألف تُحمى بالكامل واو لمدد اطول من مشروع القانون، بينما تخضع المبالغ الأكبر لعملية “Bail-in” تحول 50% من الفائض عن السقف المحمي إلى أسهم في مصارف متعثرة أو سندات بلا فائدة. وفي السيناريو السلبي، المرتبط باستمرار الحرب والانهيار الشامل، قد نصل إلى “تصفية قسرية” يتم فيها دفع الودائع بالليرة اللبنانية على أسعار صرف متدنية جداً مقارنة بالسوق السوداء، مما يعني خسارة فعلية تتجاوز 80% من القيمة الرأسمالية لكافة الودائع فوق سقف الـ 50 ألف دولار.
آفاق سعر الصرف في ظل المخاطر الأمنية والسياسية:
يحافظ سعر الصرف حالياً على استقرار متوتر ناتج عن تدخلات مصرف لبنان عبر “السيولة المتاحة” المحدودة وتجفيف الليرة من السوق. إلا أن مخاطر استمرار الحرب تهدد هذا الاستقرار بشكل مباشر؛ فالضغط على ميزان المدفوعات نتيجة توقف السياحة وتراجع الصادرات سيزيد الطلب على الدولار لتغطية الاستيراد الأساسي. إن احتمال التدهور التدريجي هو الأكثر ترجيحاً، حيث قد ينزلق السعر نحو مستويات قياسية جديدة مع كل تصعيد عسكري. أما “الانفجار النقدي” فيبقى رهناً بلجوء الدولة لتمويل عجز الموازنة في ظل الحرب وقيامها بطبع العملة بشكل غير مدروس عبر استخدام الارصدة اللولارية المجمدة في حساب وزارة المال لدى مصرف لبنان. الاستقرار الطويل الأمد يتطلب تدفقات خارجية لا يمكن تأمينها دون مظلة سياسية وأمنية شاملة، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة.
وينهي الخوري تقييمه النهائي ومسار الـ 24 شهراً القادمة: إن إقرار قانون الفجوة المالية في المدى القريب (أقل من 6 أشهر) يبدو مستبعداً تقنياً وسياسياً، إذ أن الدولة في حالة “إدارة أزمة عسكرية” وليست في حالة “بناء إصلاحي”. الشرط اللازم لإقرار القانون هو توافق إقليمي-دولي ينتج عنه “هدنة مديدة” تسمح بعودة انتظام المؤسسات الدستورية. السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال الـ 12 إلى 24 شهراً القادمة هو “التعافي بالحد الأدنى” (L-shaped recovery)، حيث يتم تمرير قرارات جزئية وتعاميم من مصرف لبنان بدلاً من قانون شامل، مع استمرار سياسة قضم الودائع تدريجياً. المخاطر غير المرئية تكمن في “النمو المفرط للاقتصاد النقدي” (Cash Economy) الذي يهرب من الرقابة، مما قد يجعل أي قانون مستقبلي لإعادة الهيكلة غير ذي جدوى في ظل نظام مصرفي يفقد تدريجاً وظيفته الأساسية في الوساطة المالية.





