أخبار خاصة

وعود وزير المالية: حل عادل أم تشريع للخسائر؟

ناجي الخوري

شكّل كلام وزير المالية ياسين جابر حول مشروع قانون “الفجوة المالية” محطة مفصلية في مسار التعاطي الرسمي مع واحدة من أعقد وأخطر أزمات لبنان المالية منذ تأسيس الدولة.

فبعد سنوات من الإنكار والمقاربات الجزئية، يطلّ هذا المشروع بوصفه الإطار التشريعي الذي يُفترض أن يضع حدًا للفوضى القائمة في إدارة الخسائر، وينقلها من واقع الأمر الواقع إلى نص قانوني يحدّد المسؤوليات ويوزّع الأعباء بين الدولة، مصرف لبنان، المصارف، والمودعين.

غير أن أهمية الطرح لا تكمن فقط في توقيته، بل في الرسائل السياسية والمالية التي يحملها، ولا سيما التأكيد على أن الحكومة الحالية جاءت لمعالجة أزمة لم تكن سببًا في نشوئها، وأن الحل لن يكون سحريًا ولا فوريًا.

فالمقاربة، على الرغم من واقعيتها الظاهرية، تفتح الباب أمام أسئلة جوهرية تتجاوز الوعود المعلنة بإعادة الودائع وتقسيطها، لتطال طبيعة الضمانات المطروحة، ودور مصرف لبنان كضامن لسندات يفترض أن تعيد الثقة إلى نظام مصرفي منهار.

كما تطرح مقارنة التجربة اللبنانية بحالات دولية مثل اليونان وقبرص إشكالية الفوارق البنيوية بين اقتصاد منتج ودولة شبه مفلسة. من هنا، يصبح مشروع قانون الفجوة المالية اختبارًا حقيقيًا لصدقية الدولة في الانتقال من إدارة الانهيار إلى معالجته، لا مجرد محاولة جديدة لتدوير الخسائر تحت عناوين إصلاحية.

من هنا تفرض القراءة المالية – الاقتصادية الهادئة، لكلام الوزير جابر، التوقفأمام مجموعة ملاحظات أساسية تجمع بين الإيجابيات المعلنة ومكامن القلق البنيوية، وتسمح ببناء تقدير موقف واقعي بعيدًا عن الخطاب السياسي المطمئن، أبرزها:

  • أولًا: الإطار العام والمقاربة السياسية – المالية:

حيث قدّم الوزير مشروع القانون بوصفه محطة مفصلية لمعالجة جوهر الأزمة المالية اللبنانية، أي فجوة الخسائر المتراكمة بين الدولة، مصرف لبنان، والمصارف. فالإقرار بوجود فجوة، وبضرورة تشريعها قانونيًا، يُعد خطوة متقدمة مقارنة بسنوات الإنكار السابقة. كما أن التأكيد على صدور القانون قبل نهاية العام يوحي بوجود قرار سياسي بالانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة تفكيكها تشريعيًا، ولو بشكل متدرّج.

غير أن الإشكالية هنا تكمن في تحميل الحكومة الحالية عبء “الحل” من دون الاعتراف الكافي بالاستمرارية المؤسساتية للدولة، ما قد يُستخدم لاحقًا لتبرير تسويات مؤلمة تُقدَّم على أنها قدر لا خيار.

ثانيًا: مصرف لبنان ضامن السندات:

اعتبار مصرف لبنان “الضامن” للسندات التي ستُصدر لردّ أموال المودعين يطرح إشكالية جوهرية. فالمصرف المركزي هو أحد أطراف الخسارة الأساسية، وميزانيته ما زالت تعاني من فجوة ضخمة رغم تحسن ملاءته النقدية بالعملات الأجنبية.

عمليًا، نحن أمام ضمانة صادرة عن جهة متعثّرة أصلاً، ما يثير تساؤلات حول مصداقية هذه السندات، وقدرتها على استعادة ثقة السوق وفتح “سوق ثانوية” فعلية لها.

ثالثًا: وعد استرداد 85% بين الواقعية والمخاطرة:

فالإعلان عن إعادة 85% من الودائع وتقسيط 15% المتبقية يُعد خطابًا جريئًا، لكنه محفوف بالمخاطر. فنجاح هذا السيناريو مرتبط بعدة شروط غير مضمونة أهمها: نمو اقتصادي مستدام، استقرار نقدي طويل الأمد، قدرة الدولة على المساهمة المالية كما هو معلن، وتعاون فعلي مع صندوق النقد الدولي.

فمن دون هذه الركائز، قد تتحول النسبة الموعودة إلى رقم نظري قابل للتعديل لاحقًا.

رابعًا: تراتبية الخسائر:

جاء تأكيد الوزير أن المصارف ستخسر رأسمالها أولًا، ثم تتحمل الدولة جزءًا من الخسائر، ليتماشى نظريًا مع مبدأ تراتبية الخسائر (Bail-in). غير أن التجربة اللبنانية تُظهر أن الانتقال من النص إلى التطبيق غالبًا ما يصطدم بالضغوط السياسية والمصرفية، وبإعادة توزيع الخسائر بشكل غير عادل على المودعين، خصوصًا متوسطي وكبار المودعين.

خامسًا: التدقيق واستعادة الأموال المهربة:

فالحديث عن تدقيق مشترك في أموال الدعم والتدقيق الجنائي يمثل عنصرًا إيجابيًا، لكنه يبقى حتى اللحظة في إطار النوايا، اذ ان استعادة الأموال المنهوبة أو المهربة هي العامل الوحيد القادر فعليًا على تسريع ردّ الودائع وتقليص الفجوة، لكن هذا المسار يتطلب قضاءً مستقلًا، وتعاونًا دوليًا، ووقتًا طويلًا.

في الخلاصة، يعكس مشروع قانون الفجوة المالية، كما يطرحه وزير المالية، يعكس انتقالًا سياسيًا نحو الاعتراف بالخسائر ومحاولة توزيعها ضمن إطار قانوني. إلا أن الخطر الأساسي يكمن في الإفراط بالتفاؤل، وفي تسويق ضمانات مالية لم تختبر بعد في سوق يعاني من انهيار ثقة غير مسبوق. نجاح المشروع لن يُقاس بسرعة إقراره، بل بقدرته على حماية المودعين فعليًا، ومنع تحميلهم كلفة تسويات سياسية مؤجلة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *